وإيجاده لها ، يستلزم ملكه لوجودها وملك تدبير أمرها ، وعندما سأله فرعون عن
القرون الأولى أجاب بأنها معلومة لله محفوظة عنده في كتاب . لا يتطرق إليه خطأ
ولا تغيير ولا غيبة وزوال ، ثم بدأ عليه السلام في نسف أرباب النماء والفيضان
والنيل وغير ذلك فقال : إن ربه هو الذي ( جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم
فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا شتى ) أي أن الله تعالى أقر
الإنسان في الأرض يحيا فيها حياة أرضية ليتخذ منها زادا لحياته العلوية في
الآخرة . وجعل للإنسان فيها سبلا ، ليتنبه بذلك ، أن بينه وبين غايته ، وهي
التقرب لله سبحانه سبيلا يجب أن يسلكها كما يسلك السبل الأرضية لمآربه
الحيوية ، وأنزل من السماء ماء وهو ماء الأمطار ومنه مياه عيون الأرض وأنهارها
وبحارها ، فأنبت منه أزواجا أي أنواعا وأصناما متقاربة من نبات يهديكم إلى
مالكها ففي ذلك آيات تدل أرباب العقول إلى هدايته وربوبيته تعالى . ثم تطرق
إلى قضية رئيسية أخرى . ألا وهي قضية البعث فقال إن ربه هو الذي بدأ خلق
الإنسان من الأرض ثم يعيده فيها ، ثم يخرجه منها للرجوع إليه .
2 - الاستكبار والمعجزة :
استمع فرعون ، لكنه تمادى في دفعه وصده ، ورأى عظيما عليه أن يلبي
دعوة موسى ويتبع دينه . ويخلع عبادة الأوثان والربوبية عن نفسه . استمع
الطاغوت الأكبر ، لكنه لم يتدبر وقام بتحريك مخالبه وأنيابه ، بعد أن هدم له
موسى قوائم الظلم التي بدأت قديما من القرن الثاني والثلاثين قبل الميلاد هدم له
قوائم خور وحتحور وبتاح وأوزير ورع وآمون وعجل أبيس ، تلك القوائم التي
انطلق بها الكهنة ووضعوها حول الرؤوس ليعيش الشعب في دوخة دينية فتركوا
الحياة كلها لفرعون وتفرغوا للنهل من ثقافة القبور . أكلمه في حياة عادلة بعد
الموت ، ولكن هيهات هيهات . فأي عدل هذا الذي يقف فرعون على بابه ، لقد
استمع فرعون ، فتحركت مخالبه من أجل الدفاع عن دماء الآلهة التي تجري في
عروق البشر الذين يحكمون الناس ، ومن أجل الدفاع عن تراث عميق ودفين دونه
الآباء . ( قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ) ( 91 ) هكذا لوح
هامش
( 91 ) سورة الشعراء ، الآية : 29 .