هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ) ( 101 )
وبعد أن قال الملأ الذين حول فرعون ما قاله فرعون حرفيا ، قال لهم موسى :
( أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا
عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما
بمؤمنين ) ( 102 ) قال المفسرون : المراد بالحق هو الآية الحقة كالثعبان واليد
البيضاء . ولقد أنكر موسى عليه السلام مقالتهم لرميهم الحق بأنه سحر ، وقال
فرعون وملؤه لموسى : ( أجئتنا لتلفتنا ) وتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا )
يريدون سنة قدمائهم وطريقتهم ( وتكون لكما الكبرياء في الأرض ) يعنون
الرئاسة والحكومة وانبساط القدرة ونفوذ الإرادة ( 103 ) إن زادهم في إناء الآباء ،
وحرفتهم هي الحكم . يدافعون عن الحكم بطرح أوراق التراث التي في إناء
الآباء ، وهم يطرحون أوراق التراث من أجل إلهاب مشاعر الجماهير ليدافعوا عن
الحكم ! فيحافظون بذلك على مصالحهم ويحافظون بذلك على الانحراف
والشذوذ ، والخاسر الوحيد في هذه القضية هم الجماهير الذين كفنوا الحاضر
ليضعوه في توابيت المستقبل ! والحياة من حولهم تناديهم أن رب العالمين هو
خالق الكون ، لكنهم لم يسمعوا نداء الحياة لأنهم لا يرون معالمها ، فهم ينظرون
بعيون فرعون ويفكرون بعقله . . يقول تعالى : ( فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات
قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين * وقال موسى ربي
أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح
الظالمون ) ( 104 ) .
قال المفسرون : عندما شاهدوا المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة على
صدق موسى وهارون ، وأيقنوا أنها من عند الله ، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد
والمباهتة . وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا : ( ما هذا إلا سحر
مفترى ) أي مفتعل مصنوع ( 105 ) وأن ما جاء به موسى دين مبتدع لم ينقل عن
هامش
( 101 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 34 - 35 .
( 102 ) سورة يونس ، الآيتان : 77 - 78 .
( 103 ) الميزان : 109 / 10 ، ابن كثير : 426 / 2 .
( 104 ) سورة القصص ، الآيتان : 36 - 37 .
( 105 ) ابن كثير : 389 / 3 .