داخل دورهم ، وضربتهم الصيحة خارج الجدران وهم في الحقول وعلى قمم
الجبال ، فمن لم يمت بالرجفة مات بالصيحة ، والصيحة صوت هائل ترتعد له
القلوب والأركان . لقد جاءتهم الرجفة عندما دخلوا في وقت الصباح ، وقت
خروجهم من أجل امتصاص الأرزاق ، وعندما جاء الصباح لم يجدهم ، لأن
الرجفة قد أخذتهم في أيسر زمان . يقول تعالى : ( فأخذتهم الرجفة فأصبحوا
في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا
هم الخاسرين ) ( 35 ) .
قال المفسرون : كان حالهم كحال الذين لم يطيلوا الإقامة في أرضهم .
فإن أمثال هؤلاء يسهل زوالهم لعدم تعلقهم بها في عشيرة أو أهل أو دار أو ضياع
وعقار ، وأما من تمكن في أرض واستوطنها وأطال المقام بها ، وتعلق بها بكل ما
يقع به التعلق في الحياة المادية ، فإن تركها له متعسر كالمتعذر ، وخاصة ترك
الأمة القاطنة في أرض أرضها ، وما اقتنته فيها طول مقامها ، وقد ترك هؤلاء وهم
أمة عريقة في الأرض دارهم وما فيها في أيسر زمان أخذتهم الرجفة فأصبحوا في
ديارهم جاثمين . وقد كانوا يزعمون أن شعيبا . ومن تبعه سيخسرون ، فخاب
ظنهم ، وانقلبت الدائرة عليهم ، فكانوا هم الخاسرين ، فمكروا ومكر الله والله
خير الماكرين ( 36 ) . لقد تصرفوا كأحرار والكون يحيط بهم من كل مكان ولا حرية
لهم أمام علله وأسبابه وقد حذرهم شعيب عليه السلام من عذاب محيط ( وإني
أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) ( 37 ) .
لكنهم لم يفكروا فيما حولهم فجاءهم العذاب الذي يحيط بدارهم
وبديارهم . عذاب فيه رجفة تهتز لها الجدران والقلوب وفيه صيحة تقرع أسماع
الذين خارج الجدران ويعملون في الحبوب والحقول . وبعدت مدين كما بعدت
ثمود .
* 5 - حدائق الأيكة :
روي أن الأيكة كانت قريبة من مدين . وكانت تمتاز بحدائقها الملتفة
هامش
( 35 ) سورة الأعراف ، الآيتان : 91 - 92 .
( 36 ) الميزان : 193 / 8 .
( 37 ) سورة هود ، الآية : 84 .