قال المفسرون : الأيكة الغيضة الملتف شجرها . قيل : إنها كانت غيضة
بقرب مدين يسكنها طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام . وكان
أجنبيا منهم . ولقد أمرهم بتقوى الله . وبين أنه رسول من عند الله . أمين على ما
حملته من الرسالة ، لا أبلغكم إلا ما أمرني ربي وأراده منكم ، ولذا فرع عليه
قوله : ( فاتقوا الله وأطيعون ) فأمرهم بطاعته لأن طاعته طاعة لله ، ثم نفى سؤال
الأجر لنفي الطمع الدنيوي ، وأثبت أن أجره على الله رب العالمين ، ثم أمرهم
بالعدل في الأخذ والإعطاء بالكيل والوزن ، وأن لا يبخسوا الناس سلعهم
وأمتعتهم ، وأن لا يفسدوا إفسادا في الأرض . ثم أمرهم أن يتقوا الله الذي خلقهم
وآباءهم الأولين . الذين فطرهم وقرر في جبلتهم تقبيح الفساد والاعتراف
بشؤمه .
لقد خاطبهم في صدر خطابه لهم ، كما خاطب هود وصالح عليهما السلام
الجبابرة في قومهما ، أمرهم بالتقوى ونفي الأجر حتى لا يتهموه ثم أمرهم بما
يستقيم مع الفطرة . . فماذا كان ردهم ؟ يقول تعالى : ( قالوا إنما أنت من
المسحرين * وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا
من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربي أعلم بما تعملون ) ( 40 ) .
قال المفسرون : يخبر تعالى عن جوابهم له بمثل ما أجابت به ثمود
لرسولها ، تشابهت قلوبهم حيث قالوا : ( إنما أنت من المسحرين ) ( 41 ) وبعد
ذلك فجروا قضيتهم التي وضع الشيطان بذورها ، وقال بها كل مترف مستكبر
متكبر عال في الأرض ، لقد خاطبوه بعيونهم ، حيث شاهدوا من حولهم حدائقهم
وعبيدهم وتجارتهم التي تجوب الجزيرة والشام وتأتي إليهم بالمال الوفير ، في
الوقت الذي لا يمتلك هو وأتباعه ما يعلوهم ويقهرهم . لقد خاطبوه وفقا لفقه
الأعمى الذي لا ينظر إلى الوجود بعيون الفطرة ، وإنما ينظر إليها وفقا لأعمدة فقه
الزينة والإغواء ، ولقد اختصر أصحاب الأيكة الطريق ، فبعد أن اتهموه
بالكذب ، طالبوه بالعذاب إن كان من الصادقين ، وحددوا العذاب الذي يريدون
( فأسقط علينا كسفا من السماء ) أي أسقط علينا قطعا من السماء . وقيل :
هامش
( 40 ) سورة الشعراء ، الآيات : 185 - 188 .
( 41 ) ابن كثير : 346 / 3 .