الفطرة : ( لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من
القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون ) ( 19 ) .
لقد لوح أهل الدنس بالقبضة الحديدية في وجه رسول الله ، أخبروه بأنه إذا
لم ينته ويكف عن مواعظه ودعوته لهم بترك ما هم عليه ، فسيكون من المنفيين من
قريتهم . فكان رده عليه السلام : إني لا أخاف الخروج من قريتكم ولا أكترث
به . بل مبغض لعملكم ( 20 ) راغب في النجاة من وباله النازل بكم لا محالة . ثم
دعا عليه السلام ربه أن ينجيه من أصل عملهم الذي يأتون به بمرأى ومسمع منه .
فهو منزجر منه ، أو من وبال عملهم والعذاب الذي سيتبعه لا محالة ، ولم يذكر
عليه السلام إلا نفسه وأهله إذ لم يكن آمن به من أهل القرية أحد ( 21 ) !
* 2 - استعجال العذاب :
لبث لوط في قومه ثلاثين سنة ، يدعوهم إلى الله عز وجل . وكانوا لا
يتنظفون من الغائط ولا يتطهرون من الجنابة ( 22 ) ولم ييأس لوط عليه السلام من
دعوتهم ، وكانوا قد حذروه من قبل أنه إذا لم ينته فسيطرد من القرية ! لقد أراد
أصحاب الدنس أن يقطعوا شعاع الرحمة النازل من السماء ، وليس في الوجود
أشد حمقا من مثل هؤلاء . إنهم ينامون في الدنس والعار ، ولا يريدون أن
يستيقظوا على صوت يدعوهم إلى التفكير في أحوالهم من منطلق فطري . حتى
ولو كان هذا صوت الوحي ! إن هذا النوع من الناس ضيق الأفق لا يرى الأمور إلا
من وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر الشيطان ، ويكفيهم عارا أن الشيطان زين لهم
أدبار الذكران وغواهم في هذه الجزئية ، فاعتبروها دستورا لحياتهم . لقد طالبوا
لوطا عليه السلام بالصمت لكن لوطا نبي ليس له إلا أن يبلغ رسالة ربه . وعندما
قام لوط بالبلاغ أصدروا عليه قرار الطرد ! يقول تعالى : ( ولوطا إذ قال لقومه
أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل
أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم
هامش
( 9 1 ) سورة الشعراء ، الآيات : 167 - 169 .
( 20 ) البغوي 235 / 6 ، ابن كثير : 345 / 3 .
( 21 ) الميزان : 310 / 15 .
( 22 ) كتاب الأنبياء : 162 .