المشركين ) ( 8 ) كان عليه السلام على دين لم يكن عليه أحد غيره ، كان أمة
وحده ، عاش في طفولته في معزل عن مجتمع قومه ، ثم خرج إليهم فوجدهم
يعبدون الأصنام . فلم يرض منهم ذلك ، وبدأ عليه السلام يحاج أباه في عبادته
الأصنام ، ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه ، ولم يزل يحاجه ويلح عليه
حتى طرده وأوعده أن يرجحه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء ، ولم يكتف برفض
الأصنام في حدود البيت ، وإنما كان يحاج القوم في أمر الأصنام كما جاء في سورة
الأنبياء والشعراء والصافات . ويحاج أقواما آخرين منهم ، يعبدون الشمس والقمر
والكواكب . وشاع خبر إبراهيم في الانحراف عن الأصنام والآلهة ، حتى خرج
القوم ذات يوم إلى عبادة جامعة خارج البلد ، واعتل هو بالسقم فلم يخرج معهم
وتخلف عنهم ، فدخل بيت الأصنام . وانطلق على آلهتهم ضربا باليمين . حتى
جعلهم جذاذا ، إلا كبير لهم لعلهم يرجعون إليه ، فلما عاد القوم وعلموا بما
حدث بآلهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك ، قال بعضهم : سمعنا فتى يذكر الناس
يقال له إبراهيم ، فأحضروه إلى مجمعهم ، وأتوا به على مشهد من الناس وبدأوا
يسألوه . . فقالوا : أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال : بل فعله كبيرهم هذا
فاسألوهم إن كانوا ينطقون . وقد كان أبقى كبير الأصنام ولم يجذه ووضع الفأس
على عاتقه أو ما يقرب من ذلك ليشهد الحال على أنه هو الذي كسر سائر
الأصنام ، وهو عليه السلام قال ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك ، لأنهم
يعلمون أنه جماد ، لكنه قال ما قال حتى يعترفوا بصريح القول بأن آلهتهم
جمادات لا حياة لهم ولا شعور ، ولذلك لما سمعوا قوله ، رجعوا إلى أنفسهم
فقالوا : إنكم أنتم الظالمون ، ثم نكسوا على ، رؤوسهم . لقد علمت ما هؤلاء
ينطقون . قال : أفتعبدون من دون الله ما لا يضركم ولا ينفعكم . أف لكم ولما
تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟ أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ؟
وأقام الحجة الدامغة انطلق أصحاب الأدمغة الفارغة . فقالوا : حرقوه وانصروا
آلهتكم ! فبنوا له بنيانا . وأسعروا فيه النار ، ثم ألقوه فيها ، فجعلها الله بردا عليه
وسلاما ، وأبطل كيدهم . كما جاء في سورة الأنبياء والصافات ، وقد تصدى عليه
السلام خلال هذه الأيام لملك البلاد وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا ! فحاج
هامش
( 8 ) سورة النحل ، الآية : 12 .