ذريتهما النبوة والكتاب ) والبداية عند إبراهيم عليه السلام لا تخرج إلا من البداية
عند نوح عليه السلام يقول تعالى : ( سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك
نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين * وإن من شيعته
لإبراهيم ) ( 5 ) والشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم .
وبالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر ( 6 ) ( وإن من
شيعته لإبراهيم ) أي من أهل دينه . وقيل : على منهاجه وسنته ( 7 ) .
فنوح عليه السلام وذريته من أنبياء الله تصدوا للاستكبار الذي نقب الحجارة
وقال من أشد منا قوة ؟ وتصدوا للاستكبار الذي تصدى لآيات الله وعقر الناقة فلم
تغن عنهم بيوت الحجارة من الله شيئا . وإبراهيم عليه السلام وذريته من أنبياء الله
تصدوا للاستكبار الذي انطلق من قلوب أشد قسوة من الحجارة . وتصدوا
للاستكبار الذي عقر كل فضيلة من وراء جدر النفس التي استولى الشيطان على
ملكاتها . وتصدوا للفتات الآدمي الذي اتخذ إلهه هواه . وإذا كان هنالك وفي
عصر نوح وذريته من أنبياء الله فتات رفض بشرية الرسول فإن في عصر إبراهيم
وذريته من أنبياء الله . يوجد أيضا هذا الفتات ، وهذا الرفض انتهى آخر الأمر إلى
اتخاذ الأهواء آلهة . فألوهية الهوى ابن طبيعي لعقيدة رفض الرسول البشر ،
فالذين رفضوا الرسول البشر لأنهم يماثلونه في البشرية ويملكون من زخرف الحياة
ما لا يملكه ، ساقهم الشيطان إلى دائرة الأنانية والطمع ثم إلى دائرة حب الذات
فدائرة عبادة الذات والهوى . لقد أمسكوا بذيل الدنس الذي رفض السجود لآدم
بحجة أفضليته لأن الله خلقه من نار وخلق آدم من طين . والفتات الآدمي بدأ
بمقدمة تقول بأنه أفضل من الأنبياء وانتهى بنتيجة من جنس العمل هي عبادة
الذات والهوى ، فإبراهيم عليه السلام وذريته من أنبياء الله جاؤوا ليحطموا هذه
الأوثان الآدمية آخر الزمان بعد أن حطموا حجارتها أول الزمان .
وإبراهيم عليه السلام هو الثاني من أولي العزم وأصحاب الشرائع العامة .
ويقول فيه تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من
هامش
( 5 ) سورة الصافات ، الآيات : 79 - 83 .
( 6 ) الميزان : 147 / 17 .
( 7 ) ابن كثير 12 / 4 .