إرم . ومنهم العماليق . تفرقوا في البلاد ونزل أخوهم أميم بن لاوز أرض فارس .
ونزل ماش بن إرم بن سام بابل على شاطئ الفرات فولد نمرود بن ماش وهو
الذي بنى الصرح ببابل . وملك خمسمائة سنة . وهو ملك النبط . وفي زمانه فرق
الله الألسن . فجعل في ولد سام تسعة عشر لسانا ، وفي ولد حام سبعة عشر
لسانا ، وفي ولد يافث ستة وثلاثين لسانا ، وتشعبت بعد ذلك اللغات وتفرقت
الألسن ، وتفرق الناس في البلاد ، وولد أرفخشد بن سام بن نوح شالخ . فولد
شالخ فالخ بن شالخ ( الذي قسم الأرض وهو جد إبراهيم عليه السلام ) وعابر بن
شالخ وابنه قحطان بن عابر وابنه يعرب بن قحطان . وقحطان أبو اليمن كلها وهو
أول من تكلم بالعربية لإعرابه عن المعاني وإبانته عنها ، ويقطن بن عابر بن شالخ
هو أبو جرهم . وجرهم بنو عم يعرب ، وكانت جرهم ممن سكن اليمن وتكلموا
بالعربية . ثم نزلوا بمكة فكانوا بها ( 2 ) .
لقد تفرقت القبائل وتعددت الألسن ، وتعددت دوائر الشذوذ وخطوط
الانحراف عن الصراط المستقيم ، فكان إبراهيم عليه السلام رحمة من الله
للبشرية جمعاء ، بعثه الله في هذا الاتساع الذي يموج بالفتن ، ليكون أبا
للمسلمين وليواجه الانحراف ويبطل عقائد التعدد وربوبية النجوم والنار ويدعو إلى
عبادة الله الواحد . وإذا كان نوح عليه السلام يعتبر أبا للبشرية بعد الطوفان ، فإن
إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء وإليه تنتهي أنسابهم . وإذا كان نوح قد نجاه الله
من الغرق لتبدأ البشرية صفحة جديدة ، فإن الله سبحانه نجا إبراهيم من الحريق
إيذانا بمنطلق جديد للدعوة إلى الله في عالم البشر الفسيح - لقد كان نوح عليه
السلام بداية وكان إبراهيم عليه السلام بداية - والبداية هنا لا تختلف عن البداية
هناك ، لأن كلا منهما من الصراط المستقيم وعليه يقول تعالى : ( ولقد أرسلنا
نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ) ( 3 ) إنها البداية . . النبوة والكتاب ،
فالله تعالى يخبر أنه منذ بعث نوحا عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من
ذريته . وكذلك إبراهيم عليه السلام لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل رسولا ولا
أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته ( 4 ) كما قال تعالى : ( وجعلنا في
هامش
( 2 ) مروج الذهب : 37 ، 38 / 1 .
( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 26 .
( 4 ) ابن كثير : 5 ( 4 / 3 .