وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط ، فدل على أن آله هم أهله
وأقاربه ، وهذا بين يؤيده أن الله تعالى أمر عباده المؤمنين بالصلاة على نبيه ( صلى الله عليه وسلم )
بعد ذكر حقوقه ، وما خصه تعالى به دون أمته : من حل نكاحه لمن تهب نفسها
له ، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده ، ومن سائر ما ذكر من حقوقه
وتعظيمه وتوقيره وتبجيله ، ثم قال : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن
تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) ( 1 ) ، ثم ذكر رفع
الجناح عن أزواجه في تكليمهم إياهن وأبناؤهن ، ومن ذكر دخولهن عليهن ، ثم عقب
ذلك بما حق من حقوقه الأكيدة على الأمة وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم ،
مستفتحا ذلك الأمر بإخباره تعالى [ بأنه ] وملائكته يصلون عليه ، فسأل الصحابة
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : بأي [ صيغة ] يؤدون هذا الحق ؟ فقال : قولوا : اللهم [ صل ]
على محمد وعلى آل محمد ( 2 ) ، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها ،
هامش
( 1 ) الأحزاب : 53 .
( 2 ) ( عون المعبود ) : 3 / 185 ، كتاب الصلاة ، باب ( 181 ) ، الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد التشهد ،
حديث رقم ( 972 ) : حدثنا حفص بن عمر ، أخبرنا شعبة عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن كعب
ابن عجرة قال : قلنا أو قالوا : يا رسول الله أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك ، فأما السلام فقد
عرفناه ، فكيف نصلي عليك ؟ قال قولوا : اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم ، وبارك
على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد .
وحديث رقم ( 973 ) : حدثنا مسدد ، أخبرنا يزيد بن زريع ، أخبرنا شعبة بهذا الحديث قال :
صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم .
وحديث رقم ( 974 ) : حدثنا محمد بن العلاء ، أخبرنا ابن بشر عن مسعر ، عن الحكم بإسناده
هذا قال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
قال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي : الصلاة الدعاء ، والرحمة ، والاستغفار ،
وحسن الثناء من الله تعالى على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو من العباد طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة
من الله تعالى على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقد أمر الله تعالى المؤمنين به . وقد أجمعوا على أنه للوجوب ، فهي
واجبة في الجملة ، فقيل : يجب كلما جرى ذكره ، وقيل : الواجب الذي يسقط المأثم هو الإتيان
بها مرة ، كالشهادة بنبوته ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما عدا ذلك فهو مندوب . كذا في ( اللمعات ) .
وقال في ( المرقاة ) : اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما ) هل هو للندب أو للوجوب ؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض
كفاية ؟ ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا ؟ ثم إذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا ؟
فذهب الشافعي إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض ، والجمهور على أنها سنة ، والمعتمد عندنا
الوجوب والتداخل . والكلام في هذه المسألة طويل ، وقد أجاد وأحسن وأطال الشيخ العلامة الخفاجي
في ( نسيم الرياض ) شرح ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى ) للقاضي عياض ، والإمام شمس الدين
ابن القيم في ( جلاء الأفهام ) . وهو يدل على تأخير مشروعية الصلاة عن التشهد .
" فكيف نصلي عليك " : فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له
به علم .
" قولوا : اللهم إلخ " : استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) بعد التشهد ، وإلى ذلك ذهب
عمر ، وابنه عبد الله ، وابن مسعود ، وجابر بن زيد ، والشعبي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وأبو جعفر
الباقر ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وابن المواز ، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي .
وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب ، فهم : مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ،
والأوزاعي ، وآخرون . قال الطبري والطحاوي : إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب .
قال الشوكاني : دعوى الإجماع من الدعاوي الباطلة ، لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة
من الصحابة ، والتابعين ، والفقهاء ، ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد ، بما في
حديث الباب من الأمر بها ، وبما في سائر أحاديث الباب ، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ،
وهو يقتضي الوجوب في الجملة ، فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على
ما في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة ، بما أخرجه ابن حبان ، والحاكم ، والبيهقي ،
وصححوه ، وابن خزيمة في صحيحه ، والدارقطني ، من حديث أبي مسعود ، بزيادة " كيف نصلي عليك
إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا " وفي رواية : " كيف نصلي عليك في صلاتنا " وغاية هذه الزيادة أن
يتعين بها محل الصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع . وهو إيقاعها بعد
التشهد الأخير .
ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب ، بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية ، وهي لا تفيد
الوجوب ، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره : إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه ؟ أسرا
أم جهرا ؟ فقال له : أعطينيه سرا ، كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية ، لا أمرا بالإعطاء ، وتبادر
هذا لغة ، وشرعا ، وعرفا ، لا يدفع ، وقد تكرر في السنة وكثر ، فمنه : إذا قام أحدكم الليل فليفتتح
الصلاة بركعتين خفيفتين . الحديث .
وفي ( المرقاة ) ، قيل : الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم ، وبني المطلب ، وقيل : كل تقي
آله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وقيل : المراد بالآل : جميع أمة الإجابة ، وقيل المراد بالآل الأزواج ومن حرمت عليه
الصدقة ويدخل فيهم الذرية ، وبذلك يجمع بين الأحاديث .
قال ابن حجر المكي : هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء ، وقيل أولاد
فاطمة ونسلهم ، وقيل : أزواجه وذريته ، لأنهم ذكروا جملة في رواية . ورد بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة
في حديث واحد ، وقيل : كل مسلم ، ومال إليه مالك ، واختاره الزهري وآخرون ، وهو قول سفيان
الثوري وغيره ، ورجحه النووي في ( شرح مسلم ) .
وقال الإمام الشوكاني في ( نيل الأوطار ) : واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ( صلى الله عليه وسلم )
بالصلاة على إبراهيم - كما وقع في هذه الرواية - أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية ، مع أن المشبه
دون المشبه به في الغالب ، وهو ( صلى الله عليه وسلم ) أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بأجوبة :
منها : أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله ، وفي آل إبراهيم
معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية .
ومنها : أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة ، لا للقدر بالقدر .
ومنها : أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو خلاف الظاهر .
ومنها : أنه كان ذلك منه ( صلى الله عليه وسلم ) . قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم .
ومنها : أن مراده ( صلى الله عليه وسلم ) أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله .
ومنها : مراده ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم .
ومنها : أنه سأله أن يتخذه الله خليلا كإبراهيم .
" وبارك على محمد " : البركة هي الثبوت والدوام ، من قولهم : برك البعير إذا ثبت ودام ، أي أدم
شرفه ، وكرامته ، وتعظيمه .
" إنك حميد مجيد " ، أي محمود الأفعال ، مستحق لجميع المحامد ، لما في الصيغة من المبالغة ، وهو
تعليل لطلب الصلاة منه . والمجيد : المتصف بالمجد ، وهو كمال الشرف والكرم ، والصفات المحمودة .
قال المنذري : وأخرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ( عون المعبود ) :
3 / 185 - 188 مختصرا .
وأخرجه أيضا بن حبان في صحيحه ، ( الإحسان ) : 5 / 286 كتب الصلاة ، باب ( 10 )
باب صفة الصلاة ، ذكر وصف الصلاة على المصطفى ( صلى الله عليه وسلم ) ، حديث رقم ( 1957 ) ، وقال في هامشه :
إسناده قوي ، وذكر البيان بأن القوم إنما سألوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن وصف الصلاة التي أمرهم الله جل وعلا
أن يصلوا بها على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : 286 ، حديث رقم ( 1958 ) ، وقال في هامشه : إسناده صحيح
على شرط الشيخين ، ما خلا محمد بن عبد الله الأنصاري ، فإنه من رجال مسلم .
وهو في ( الموطأ ) : 1 / 165 - 166 في الصلاة ، باب ما جاء في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ،
( مسند الإمام الشافعي ) : 42 ، باب ومن كتاب استقبال القبلة في الصلاة ، ( مسند الإمام أحمد ) :
5 / 97 ، بقية حديث أبي مسعود الأنصاري ، حديث رقم ( 16624 ) ، 6 / 368 ، حديث رقم
( 21847 ) ، مسلم ( 405 ) في الصلاة ، باب الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد التشهد ، والبيهقي في
( السنن ) 2 / 146 وابن ماجة في ( السنن ) : 1 / 292 ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب
( 25 ) الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حديث رقم ( 903 ) ، ( 904 ) بسياقات مختلفة .