لأن ذلك [ مما يرفع الله به قدره ] ( 1 ) ، ويزيده الله به شرفا وعلوا ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا ريب
أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة ، ولا يلزم من ذلك أنه
حيث وقع لفظ الآل يراد الأتباع بما تقدم من النصوص ، والله أعلم .
القول الرابع : أن آله ( صلى الله عليه وسلم ) هم الأتقياء من أمته ، حكاه القاضي حسين
والراغب وجماعة ، واحتج لهذا القول بما خرجه الطبراني من طريق نعيم بن حماد ،
حدثنا نوح بن أبي مريم ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أنس بن مالك رضي
الله عنه قال : سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : من آل محمد ؟ فقال : كل تقي ( 2 ) وتلا
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن أولياؤه إلا المتقون ) ( 3 ) ، قال الطبراني : لم يروه عن يحيى
إلا نوح ، تفرد به نعيم . وقد رواه البيهقي من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس ،
حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره ، ونوح هذا ونافع بن هرمز لا يحتج بهما
أحد من أهل العلم ، قال ابن معين : نوح بن أبي مريم ليس بشئ ولا يكتب حديثه ،
وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال السعدي : سقط حديثه ، وقال ابن عدي :
وعامة حديثه لا يتابع ، ونافع أبو هرمز السلمي بصري ، وقال ابن معين : ليس
بشئ ، ومرة قال : يروى عن أنس ، ليس بثقة . كذاب ، وقال أحمد : ضعيف
الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال ابن عدي : وعامة ما يرويه غير محفوظ ،
والضعف على رواياته بين .
واحتجوا بأن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عن ابنه : ( إنه ليس من أهلك
إنه عمل غير صالح ) ( 4 ) ، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله ، فعلم أن آل
هامش
( 1 ) زيادة للسياق ، ومكانها مطموس في ( خ ) .
( 2 ) ( كنز العمال ) : 3 / 89 ، حديث رقم ( 5624 ) عن أنس رضي الله عنه ، وقد سبق ذكر الآل
مشروحا فليراجع .
( 3 ) الأنفال : 34 .
( 4 ) هود : 46 ، وقال سفيان الثوري : عن أبي عامر الهمداني ، عن الضحال ، عن ابن عباس في قوله تعالى :
( ونادى نوح ابنه ) قال : هو ابنه ، ما بغت امرأة نبي قط . ( تفسير سفيان الثوري ) : 130 ، مسألة
رقم ( 354 : 5 : 15 ) .
قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي : هذا سؤال استعلام وكشف من نوح
عليه السلام عن حال ولده الذي غرق ( قال رب إن ابني من أهلي ) أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك
الحق الذي لا يخلف ، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين ؟ ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك ) أي الذين
وعدت إنجاءهم ، لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك ، ولهذا قال : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول )
فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ، ومخالفته أباه نبي الله نوح عليه السلام .
وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه . وإنما كان
ابن زنية ، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته ، عن مجاهد ، والحسن ، وعبيد بن عمير ،
وأبي جعفر الباقر ، وابن جريح ، واحتج بعضهم بقوله : ( إنه عمل غير صالح ) ، وبقوله :
( فخانتاهما ) ، فممن قاله ، الحسن البصري ، واحتج بهاتين الآيتين ، وبعضهم بقول : ابن امرأته ،
وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن ، أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده ، والله
تعالى أعلم .
وقال ابن عباس وغير واحد من السلف : ما زنت امرأة نبي قط ، قال : وقوله : ( إنه ليس من
أهلك ) أي الذين وعدتك نجاتهم ، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، فإن الله سبحانه
أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة ، ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق
زوج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ، ولهذا قال تعالى : ( إن الذين جاءوا
بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي
تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا
إفك مبين * لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون *
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم
وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة وغيره ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : هو ابنه ، غير
أنه خالفه في العمل والنية . وقال عكرمة في بعض الحروف : إنه عمل عملا غير صالح ، والخيانة تكون
على غير باب ، وقد ورد في الحديث أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قرأ بذلك ، فقال الإمام أحمد : حدثنا حماد
ابن سلمه ، عن ثابت ، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقرأ
( إنه عمل غير صالح ) وسمعته يقول : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ، ولا يبالي ( إنه هو الغفور الرحيم ) .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا وكيع ، حدثنا هارون النحوي ، عن ثابت البناني ، عن شهر
ابن حوشب ، عن أم سلمة ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قرأها : ( إنه عمل غير صالح ) أعاده أحمد أيضا
في مسنده ، أم سلمة هي أم المؤمنين ، والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء بنت يزيد ، فإنها تكنى بذلك
أيضا .
وقال عبد الرزاق أيضا : أنبأنا الثوري عن ابن عيينة ، عن يونس بن أبي عائشة ، عن سليمان
ابن قبة ، قال : سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول الله تعالى : ( فخانتاهما ) قال :
أما إنه لم يكن بالزنا ، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون ، وكانت هذه تدل على الأضياف ،
ثم قرأ ( إنه عمل غير صالح ) .
وقال ابن عيينة : وأخبرني عمار الذهبي أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال : كان ابن نوح ، إن
الله لا يكذب ، قال تعالى : ( ونادى نوح ابنه ) . قال : وقال بعض العلماء : ما فجرت امرأة نبي
قط ، وكذا روى عن مجاهد أيضا ، وعكرمة ، والضحاك ، وميمون بن مهران ، وثابت بن الحجاج ، وهو
اختيار أبي جعفر بن جرير ، وهو الصواب الذي لا شك فيه . ( تفسير ابن كثير ) : 2 / 463 - 464 .
وقال الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : ومعنى قوله تعالى : ( إنه ليس من أهلك ) : نفى
أن يكون من أهل دينه واعتقاده ، فليس ذلك إبطالا لقول نوح عليه السلام : ( إن ابني من أهلي ) ،
ولكنه إعلام بأن قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة ، وهذا المعنى شائع في الاستعمال قال النابغة
يخاطب عيينة بن حصن :
إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست مني
وقال تعالى : ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ) [ سورة التوبة الآية :
56 ] ، وتأكيد الخبر لتحقيقه لغرابته .
وجملة ( إنه عمل غير صالح ) تعليل لمضمون جملة ( إنه ليس من أهلك ) ف ( إن ) فيه لمجرد الاهتمام .
و ( عمل ) في قراءة الجمهور - بفتح الميم وتنوين اللام - مصدر أخبر به للمبالغة ، وبرفع
( غير ) على أنه صفة ( عمل ) .
وقرأه الكسائي ، ويعقوب ( عمل ) - بكسر الميم - بصيغة الماضي وبنصب ( غير ) على المفعولية
لفعل ( عمل ) ، معنى العمل غير الصالح : الكفر ، وأطلق على الكفر ( عمل ) لأنه عمل القلب ،
ولأنه يظهر أثره في عمل صاحبه - كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان .
وتفرع على ذلك نهيه أن يسأل ما ليس له به علم نهي عتاب ، لأنه لما قيل له : ( إنه ليس من
أهلك ) بسبب تعليله بأنه ( عمل غير صالح ) ، سقط ما مهد به لإجابة سؤاله ، فكان حقيقا بأن
لا يسأله وأن يتدبر ما أراد أن يسأله من الله ( تفسير التحرير والتنوير ) : 12 / 85 - 86 .
وقال العلامة أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي : قوله تعالى : ( إنه عمل
غير صالح ) ، تعليل لانتفاء كونه من أهله ، وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن
نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب ، وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك ،
ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما ، فهو بعيد منك ( الكشاف ) : 2 / 219 .