وأخرجاه أيضا من حديث شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، ذكره البخاري
في باب علامات النبوة في الإسلام ، ولفظهما : قال : سمعت البراء يقول : قرأ رجل
سورة الكهف وفي الدار دابة ، فجعلت تنفر ، فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته .
قال : فذكر ذلك للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : اقرأ فلان ، فإنها السكينة تنزلت عند
القرآن ، أو تنزلت للقرآن ، وقال البخاري : فسلم فإذا ضبابة أو سحابة ، وقال
في آخره : فإنها السكينة نزلت أو تنزلت للقرآن ( 1 ) .
وخرج البخاري من حديث الليث قال : حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن
إبراهيم ، عن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط
عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت فسكنت ، فقرأ فجالت [ الفرس ] ( 2 ) ،
فسكت وسكت [ الفرس ] ( 2 ) ، ثم قرأ فجالت الفرس ، فانصرف ، وكان ابنه
يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه ، فلما اجتره رفع رأسه ( 3 ) إلى السماء حتى يراها .
فلما أصبح حدث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له : اقرأ يا ابن حضير ، اقرأ يا ابن حضير ،
قال : فأشفقت [ يا رسول الله ] ( 3 ) أن تطأ يحيى - وكان منها قريبا - فرفعت رأسي
فانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا مثل الظلمة ( 4 ) فيها أمثال المصابيح ،
فخرجت حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟ [ قال : لا ] ( 2 ) ، قال : تلك
الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ( 5 ) .
قال ابن الهاد : وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد
الخدري ، عن أسيد بن حضير هكذا ( 5 ) . [ ذكره غير متصل الإسناد ] ، وترجم
هامش
( 1 ) ( فتح الباري ) : 6 / 771 ، كتاب المناقب ، باب ( 25 ) علامات النبوة في الإسلام ، حديث رقم
( 3614 ) ، ( مسلم بشرح النووي ) : 6 / 329 ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب ( 36 )
نزول السكينة لقراءة القرآن ، والرواية المذكورة في ( خ ) ، هي رواية مسلم .
( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من ( البخاري ) .
( 3 ) في ( خ ) : " طرفة " ، وما أثبتناه من ( البخاري ) .
( 4 ) في ( خ ) : " الظلة " ، وما أثبتناه من ( البخاري ) .
( 5 ) ( فتح الباري ) : 9 / 77 ، كتاب فضائل القرآن ، باب ( 15 ) نزول السكينة والملائكة عند قراءة
القرآن ، حديث رقم ( 25018 ) . قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : ودل سياق الحديث على
محافظة أسيد على خشوعه في صلاته ، لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه ، وكان
كان بلغه حديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن رفع المصلي رأسه إلى السماء ، فلم يرفعه حتى اشتد به الخطب ،
ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته ، فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات ( المرجع السابق ) .
ولما قال النووي : في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة ، كذا أطلق ، وهو صحيح ،
لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلا ، والحسن الصوت ، قال : وفيه فضيلة القراءة ، وأنها سبب نزول
الرحمة ، وحضور الملائكة ، فقال الحافظ في ( الفتح ) : الحكم المذكور أعم من الدليل ، فالذي في
الرواية إنما تنشأ عن قراءة خاصة ، من سورة خاصة ، بصفة خاصة ، ويحتمل من الخصوصية ما لم
يذكر ، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ .
وقد أشار في آخر الحديث بقوله : " ما يتوارى منهم " ، إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع
كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم ، وفيه منقبة لأسيد بن حضير ، وفضل قراءة
سورة البقرة في صلاة الليل ، وفضل الخشوع في الصلاة ، وأن التشاغل بشئ من أمور الدنيا ولو
كان من المباح قد يفوت الخير الكثير ، فكيف لو كان بغير الأمر المباح ؟ .