الله حقا ، فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي
غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفي بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك ( 1 ) .
ترجم عليه أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة .
وذكر في أول حديث عقيل ولفظه : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله الرؤيا
الصالحة في النوم وقال فيه : يرجف فؤاده ، وقال : وكان يكتب الكتاب العبراني
فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وقال : فقالت له خديجة :
يا ابن عم ، وقال : هو الناموس الذي نزل على موسى ، وقال : ليتني أكون حيا
إذا يخرجك قومك ، وقال : رجل قط بما جئت به إلا عودي ، قال في التعبير
وقال بعد قوله نصرا مؤزرا : ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ( 2 ) .
قال ابن شهاب : وأخبرني سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري
قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أمشي إلا سمعت صوتا من
السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء
والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زملوني زملوني ، فأنزل الله عز وجل :
( يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر ) ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) زاد بعد قوله : " مثل ذلك " : [ قال ابن عباس : فالق الإصباح : ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر
بالليل .
قوله : " فإذا طالت عليه فترة الوحي " ، قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة
الفترة كانت سنتين ونصفا ، كما نقله الحافظ ابن حجر في أول بدء الوحي ، ولكن يعارضه ما أخرجه
ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري .
وقوله : مكث أياما بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل ، فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير
مرة ، وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي بنفسه ، فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال ، إذ سمع
صوتا فوقف فزعا ، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض ، متربعا يقول : يا محمد
أنت رسول الله حقا وأنا جبريل ، فانصرف وقد أقر الله عينه ، وانبسط جأشه ، ثم تتابع الوحي " ،
فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري ، وتقليل مدة الفترة . والله
تعالى أعلم . ( المرجع السابق ) : 12 / 446 .
( 2 ) حديث عقيل عن ابن شهاب ، ذكره البخاري في أول كتاب التعبير ، باب أول ما بدئ به رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة ، حديث رقم ( 6982 ) من ( فتح الباري ) : 12 / 436 .