تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمامة وأهل البيت — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
الحديث الحق - سنيا كان أو شيعيا - له زهده الخاص ، وهو يختلف عن زهد غيره ، فهو يلتزم بالقرآن والسنة ، ولا تنبثق معاني زهده من أي مؤثر خارجي - سواء أكان مسيحيا أو هنديا أو فارسيا أو غنوصيا - إنه يتحرى الحديث تحريا علميا ، ولا يتعبد إلا على ما ثبت له صحته ، فالذكر والخشوع والصبر ، ومعرفة الخطرات ، وكثرة البكاء والعويل ، كانت سمة لمحدثي الإسلام الحقيقيين ، بل كانت سمة للمعتزلة أيضا ، وكانوا يتحرون الدقة في الأخذ بالأحاديث . وهكذا كان زهد الإمام الباقر ، هو الزهد الذي عرفه علماء الحديث في الإسلام ، وعرفوا به ، وهو زهد من نوع خاص يبعده عن حركة الزهد العام التي عاصرته ، بل إننا لا نرى كلمة الزهد في كلماته أو حتى في حكمه ، وكذا نراه يتكلم عن الخطرات ، وهي ليست من نوع خطرات النفس عند الزهاد والصوفية ، وإنما يفسر بها اليقين ، فيقول " الإيمان ثابت في القلب ، واليقين خطرات ، فيمر اليقين بالقلب ، فيصير كأنه زبر الحديد ، ويخرجه منه فيصير كأنه خرقة بالية ، وما دخل قلبا شئ من الكبر ، إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر ( 1 ) . ثم هو يتابع أباه في سن البكاء للمسلمين ، فيقول : ما اغرورقت عينا عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار ، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة ، وما من شئ إلا وله جزاء إلا الدمعة ، فإن الله يكفر بها بحور الخطايا ، ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمة ، رحم الله تلك الأمة ( 2 ) . هذا وقد استغل الصوفية كل هذا ، وأدخلوا الإمام الباقر في تيار الزهد العام ، ونرى " بشر الحافي " ( 3 ) يقول : سمعت منصور يقول عن الباقر : الغنى
هامش
( 1 ) النشار : المرجع السابق ص 143 - 144 . ( 2 ) ابن كثير : البداية والنهاية 9 / 351 . ( 3 ) بشر الحافي : هو أبو نصر بشر بن الحارث ، أصله من " مرو " ، ولد عام 150 ه‍ ( 767 م ) ، وتوفي عام 227 ه‍ ( 841 م ) عاش في بغداد ، وكان زاهدا مشهورا ، ومحدثا ثقة ، دفعته رغبته عن رواية الحديث إلى دفن كتبه ، وأهم آثاره " كتاب التصوف " ، وأما أهم مصادر ترجمته ( حلية الأولياء 18 / 336 - 360 ، تاريخ بغداد 7 / 67 - 80 ، التهذيب لابن عساكر 3 / 228 - 242 ، التهذيب لابن حجر 1 / 444 - 445 ، الأعلام للزركلي 2 / 26 ، تاريخ التراث العربي 4 / 110 - 11 ، وفيات الأعيان 1 / 274 - 277 - بيروت 1977 ) .