ولعل سائلا " يتساءل : ألم يكن الصديق إماما " كعلي ؟ ألم يكن الفاروق إماما "
كعلي ؟ ألم يكن ذو النورين إماما " كعلي ؟ ألم يكونوا خلفاء راشدين - إذا قصدت
الخلافة بعد النبوة ، نعم كانوا أئمة مثله ، بل وسبقوه في الإمامة .
ولكن الإمامة يومئذ كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا
شريك ، ولم يكتب لأحد منهم أن يحمل علم الإمامة ليناضل بها علم الدولة
الدنيوية ، ولا أن يتحيز بعسكر يقابله عسكر ، وصفة تناوئها صفة ، ولا أن يصبح
رمزا " للخلافة يقترن ، ولا يقترن بشيء غيرها ، فكلهم إمام حيث لا اشتباه ولا
التباس ، ولكن الإمام بغير تعقيب ولا تذييل ، إنما هو الإمام كلما وقع الاشتباه
والالتباس ، وذلك هو علي بن أبي طالب كما لقبه الناس ، وجرى على
الألسنة ، فعرفه به الطفل ، وهو يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات ، بغير حاجة
إلى تسمية أو تعريف ( 1 ) - .
ويروي اليعقوبي : أنه ما أن تمت البيعة للإمام علي ، حتى قام قوم من
الأنصار فتكلموا ، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري
- وكان خطيب الأنصار - فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لئن كانوا تقدموك في
الولاية ، فما تقدموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس ، فقد لحقتهم اليوم ،
ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا
يعلمون ، وما احتجت إلى أحد مع علمك .
ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري - وهو ذو الشهادتين - فقال : يا أمير
المؤمنين ، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا
أنفسنا فيك ، فلأنت أقدم الناس إيمانا " ، وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين
برسول الله ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك .
هامش
( 1 ) عباس محمود العقاد : عبقرية الإمام علي ص 174 - 175 ( القاهرة 1981 ) .