ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء ، أبلوا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بلاء حسنا " ، فكان لا بد أن يقع عبء ذلك كله على ابن سبأ ،
فهو الذي أثار الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان ، ثم هو الذي حرض الجيشين يوم
الجمل على الالتحام ، على حين غفلة من علي وطلحة والزبير ، ولم يكن أحد
منهم يدري أنه سيكون قتال ، هذا في التاريخ السياسي .
وأما في التاريخ الفكري ، فعلى عاتق ابن سبأ يقع أكبر انشقاق عقائدي
بظهور الشيعية . هذا هو تفسير مبالغة كتاب الفرق وأصحاب المذاهب - لا سيما
السلفيين والمؤرخين - في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ ، ولكن أليس
عجبا " أيضا " ، أن يعبث دخيل في الإسلام ، كل هذا العبث فيحرك تاريخ الإسلام
السياسي والعقائدي معا " على النحو الذي تم عليه ، وكبار الصحابة شهود ( 1 ) ؟ .
على أن هناك اتجاها " جديدا " - كما قلنا آنفا " - في ابن سبأ هذا ، إنما هو
الصحابي الجليل عمار بن ياسر ، حيث شوه أعداؤه - وأعداء الإمام علي
وآل البيت من قبله - صورته ، فصوروه في صورة شخص سئ ، دعوه
عبد الله بن سبأ ، ثم حمل النواصب من أعداء أهل بيت النبوة ، ابن سبأ ،
- تلك الشخصية الوهمية - تلك العقائد التي انتشرت في كتب العقائد ، والتي
لعنها أهل السنة والجماعة ، كما لعنها الشيعة ( 2 ) .
ويقول الأستاذ الدكتور النشار : ومن المتحمل أن تكون شخصية
عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة ، أو أنها رمزت إلى شخصية عمار بن
ياسر ، كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين ، وقد كانت كنية
أبي تراب ، إحدى كنى الإمام علي ( 3 ) ، وخدع معاوية الطليق ، والأمويون معه
هامش
( 1 ) أحمد صبحي : نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - القاهرة 1969 ص 39 - 40 .
( 2 ) أنظر : علي الوردي : وعاظ السلاطين - بغداد 1954 ص 274 - 278 ، كامل مصطفى الشيبي :
الصلة بين التصوف والتشيع 1 / 36 - 40 ( بغداد 1964 ) .
( 3 ) روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن سهل بن سعد ( ابن وقاص ) قال : أستعمل على
المدينة رجل من آل مروان قال : فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا " ، فأبي سهل ، فقال له :
أما إذا أبيت فقل : لعن الله أبا التراب ، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب ،
وأنه كان ليفرح إذا دعي بها ، فقال له : أخبرنا عن قصته : لم سمي أبا تراب ؟ قال : جاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة ، فلم يجد عليا " في البيت ، فقال : أين ابن عمك ؟ فقالت : كان بيني
وبينه شئ فغاضبني ، فخرج فلم يقل عندي ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان : أنظر أين هو ، فقال : يا
رسول الله ، هو في المسجد راقد ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه
فأصابه تراب ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ، ويقول : قم أبا التراب ( صحيح
مسلم 15 / 181 - 182 ) .
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عمار بن ياسر : قال : كنت أنا وعلي رفيقين في
غزوة ذي العشيرة ، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقام بها ، رأينا ناسا " من بني مدلج يعلمون في
عين لهم في نخل ، فقال لي علي : يا أبا اليقظان : هل لك أن تأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون ؟
فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم ، فانطلقت أنا وعلي فاضطجعنا في صور من
النخل في رقعاء من التراب ، فنمنا ، فوالله ما أهبنا ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله ، وقد تتربنا
من تلك التراب ، قال : ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين ، فقلنا : بلى يا رسول الله ، قال : أحيمر
ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني
لحيته - ( الإمام ابن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 686 - 687 ، التهذيب 9 / 147 ، 148 ، مسند
الإمام أحمد 4 / 263 ) .