الطبري وأصحابه فيما ذهبوا إليه ، إلا أن المحدثين وأصحاب الجدل ينفردون
من دون الطبري وأصحابه بشئ آخر ، فيزعمون أن ابن السوداء وأتباعه ألهوا
عليا " ، وأن عليا " حرقهم بالنار .
ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكرا " ، فلسنا نعرف في
أي عام من أعوام الخلافة القصيرة التي وليها الإمام علي كانت فتنة هؤلاء
الغلاة ، وليس تحريق جماعة من الناس بالنار ، في الصدر الأول للإسلام ، وبين
جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن صلحاء المسلمين ، بالشئ الذي يغفل عنه
المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقتونه ، وإنما يهملونه إهمالا " تاما " .
وكل ما رواه المؤرخون هو ما ذكره البلاذري في حديث قصير وقع إليه ،
من أن قوما " ارتدوا بالكوفة فقتلهم الإمام علي ، وحكم الإسلام فيمن ارتدوا
معروف ، وهو أن يستتاب ، فإن تاب حقن دمه ، وإن لم يتب قتل ، فلا غرابة إذا "
في أن يقتل الإمام علي نفرا " ارتدوا ، ولم يتوبوا - إن صح هذا الخبر - وإن كان
البلاذري لم يسم أحدا " ، ولم يوقت لهذه الحادثة وقتا " ، وإنما رواها مطلقة إطلاق
من لا يطمئن إليها ( 1 ) .
على أن الأستاذ الدكتور أحمد صبحي إنما يذهب إلى أن مبالغة المؤرخين
وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ إنما يرجع إلى سبب آخر
- غير ما ذهب إليه الدكتور طه حسين - فلقد حدثت في الإسلام أحداث سياسية
ضخمة - كمقتل عثمان ، ثم حرب الجمل - وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوج
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكلهم يتفرقون ويتحاربون ، وكل هذه الأحداث تصدم وجدان
المسلم المتتبع لتاريخه السياسي ، أن يبتلي ، تاريخ الإسلام هذه الابتلاءات ،
ويشارك فيها كبار الصحابة ، الذين حاربوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشاركوا في وضع
أسس الإسلام ، كان لا بد أن تلقى مسؤولية هذه الأحداث على كاهل أحد .
هامش
( 1 ) طه حسين : المرجع السابق ص 93 .