هذا إلى أن البلاذري ( 1 ) لم يذكر ابن السوداء ولا أصحابه السبئية في أمر
عثمان ، وهو كذلك لم يذكره في أمر الإمام علي إلا مرة واحدة في أمر غير ذي
خطر ، إذ جاء عليا " مع آخرين يسألونه عن أبي بكر ، فردهم ردا " عنيفا " ، لائما "
لهم على تفرغهم لمثل هذا ، على حين كانت مصر قد فتحت وقتلت فيها شيعة
علي .
وكتب علي كتابا " يذكر فيه ما صارت إليه الأمور ، بعد تخاذل أهل العراق ،
وأمر أن يقرأ الكتاب على الناس لينتفعوا به ، قال البلاذري : وكانت عند ابن سبأ
- وهو عنده عبد الله بن وهب الهمداني - نسخة حرفها ، وهكذا فالبلاذري يرى أن
ابن سبأ ، ليس ابن السوداء ، ولكنه عبد الله بن وهب الهمداني ، ثم هو يروي
هذا الخبر متحفظا " ، متوخيا " الصدق ما استطاع ، وهو كثيرا " ما يروي بعض
الأحاديث ، ثم يعقب عليها ، بما يظهر الشك فيها ، لأنها من اختراع أهل
العراق .
والواقع أن الخصومة بين الشيعة وأهل الجماعة قد اتخذت ألوانا " من
الجدل والإذاعة ونشر الدعوة ، بعد أن استقام الأمر لبني العباس ، كثر فيها المكر
والكيد والاختراع ، بحيث يجب على المؤرخ المنصف أن يحتاط أشد الاحتياط ،
هامش
( 1 ) البلاذري : هو أبو العباس ، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري ، ولد في بغداد في العقد الأول من
القرن الثالث الهجري ، سمع في دمشق وحمص وأنطاكية والعراق ، وكان نديما " للخليفة العباسي
المتوكل 232 - 247 ه ) ، ويعد البلاذري مؤرخا " جامعا " ، من أشهر مؤرخي القرن الثالث
الهجري ، وتوفي عام 279 ه ( 892 م ) ، وأشهر مؤلفاته : فتوح البلدان وأنساب الأشراف ، ونشر
الكتاب الأول محمد رضوان بالقاهرة 1959 م ، وصلاح الدين المنجمد بالقاهرة أيضا " 1956
- 1960 م ، وعبد الله وعمر أنيس الطباع في بيروت 1957 م ، ونشر الجزء الأول من أنساب
الأشراف محمد حميد الله بالقاهرة 1959 ، كما نشرت منه أجزاء بالقدس 1936 - 1938 م ،
وأهم مصادر ترجمة البلاذري ( لسان الميزان لابن حجر 1 / 322 - 323 ) ، البداية والنهاية
11 / 65 - 66 ، الأعلام للزركلي 1 / 252 ، علم التاريخ للدوري ص 48 - 51 ، النجوم الزاهرة
لابن تغري بردي 3 / 83 ، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 201 - 202 ، الفهرست لابن النديم
ص 113 ، ( إرشاد الأريب لياقوت 5 / 89 - 102 ) .