رجلا " ، يكون على رأس المسلمين - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلقد اعتقد الأنصار
أنهم أولى بهذا الأمر ، بعد أن آوى الإسلام إليهم ، وأذن الله لرسوله بالهجرة
إليهم ، ليتخذ مدينتهم موطنا " له ، ومنطلقا " لرسالته ، فأتى الخبر أبا بكر ، فأسرع
معه عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، إلى سقيفة بني ساعدة ، وبعد
جدال طال ، ولم يستطل ، انتهى المجتمعون إلى اختيار أبي بكر خليفة
للمسلمين .
وكان الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - في تلك
الساعات الرهيبة ، بجوار الجثمان الطاهر ، المسجى في حجرته ، ومن ثم فلم
يحضر - هو وكذا بنو هاشم - اجتماع السقيفة ، ولو شهد الإمام علي هذا
الاجتماع ، لكان له فيه مقال ، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم المشهود اتجاها "
آخر غير اتجاهها الذي سارت فيه ، خاصة وأن كثيرا " من المصادر تذهب إلى
أن الأنصار ، إنما كانوا يفضلون الإمام علي بن أبي طالب ( 1 ) .
على أن الإمام علي سرعان ما بايع الصديق ، حين رأى في عدم بيعته فرقة
للمسلمين ، قد يستغلها ضعاف الإيمان ، روي أن أبا سفيان بن حرب - وهو من
الطلقاء ، ومن المؤلفة قلوبهم - انتهز الفرصة وعمل على إشعال نار الفتنة بين
علي والعباس ، ثم بين بني هاشم وسائر بطون قريش ، يعد قوما " بنصرة بني أمية ،
ونصرة قريش من ورائها ، ويوسوس لقوم آخرين بمثل هذا الوعد ، أو بمثل هذا
الوعيد ، وما كان من همه أن ينصف بني هاشم ، ولا أن يؤيد الأنصار ، وإنما
أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعا " ، أملا " في أن يعود له ما كان في الجاهلية .
روى البلاذري بسنده عن محمد بن المنكدر قال : جاء أبو سفيان إلى علي
فقال : أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة ، أما والله لئن شئتم لأملأنها عليه
خيلا " ورجالا " ، فقال علي : لست أشاء ذلك ، ويحك يا أبا سفيان ، إن المسلمين
هامش
( 1 ) أنظر : تاريخ اليعقوبي 2 / 123 ، شرح نهج البلاغة 6 / 44 - 45 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ
2 / 325 .