وفيه دلالة واضحة على صحة ما نقول من أن الأمر بالمعروف ، والنهي
عن المنكر ، إنما يلزم فرضهما المرء المسلم على قدر طاقته ، وعند أمانه على
نفسه ، أن ينال منها ما لا قبل لها به ، فأما مع الخوف عليها أن تنال بما لا قبل
لها به ، فموضوع عنها فرض ذلك ، إلا النكير بالقلب .
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما تحين لكسر الصنم الذي كان فوق الكعبة ،
وقت الخلوة من عبدته ، ومن يحضره لتعظيمه ، كراهة أن ينالوه بمكروه في
نفسه ، لو حاول كسره بمحضر منهم ، أو أن يحولوا بينه وبين ما يحاول من
ذلك ، ثم لم يقف بعد كسره إياه بموضعه ، ولكنه أسرع السعي منه إلى حيث
يأمن على نفسه أذاهم ، وأن يعملوا أنه الذي ولى كسره ، أو كان الذي سبب
كسره ( 1 ) .
وهناك حديث لا ضرر ولا ضرار ، وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء :
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما
اضطروا إليه ، والطيرة ، والحسد ، والوسوسة في الخلق ، وقول الرسول الأعظم
وما اضطروا إليه صريح الدلالة على أن الضرورات تبيح المحظورات ( 2 ) .
وقال الإمام الغزالي ( 450 ه / 1059 م - 505 ه / 1111 م ) في موسوعته
إحياء علوم الدين ( باب ما رخص فيه من الكذب ) : أن عصمة دم المسلم
واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم ، قد اختفى من ظالم ،
فالكذب فيه واجب ، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب ، أو إصلاح ذات البين ،
أو استمالة قلب المجني عليه ، إلا بكذب ، فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز
منه ما أمكن ، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه ، فيخشى أن يتداعى إلى ما لا
هامش
( 1 ) مسند الإمام علي بن أبي طالب ص 242 - 243 .
( 2 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 50 .