ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقا بالصدور ، بل ربما يكون
الراوي ثقة ، ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الإمام عليه السلام
، وأن الثقة قد التبس عليه الامر ، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأن
المناط هو كون الخبر موثوق الصدور ، إذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من إحدى
الامارات على كون الخبر موثوق الصدور ، ولا تنحصر الحجية بخبر الثقة ، بل
لو لم يحرز وثاقة الراوي ودلت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الاخذ
به .
وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء ، فقد جرت سيرتهم على
الاخذ بالخبر الموثوق الصدور ، وإن لم تحرز وثاقة المخبر ، لان وثاقة المخبر
طريق إلى إحراز صدق الخبر ، وعلى ذلك فيجوز الاخذ بمطلق الموثوق
بصدوره إذا شهدت القرائن عليه .
ويوضح هذا مفاد آية النبأ وهو لزوم التثبت والتوقف حتى يتبين الحال ،
فإذا تبينت وانكشف الواقع انكشافا عقلائيا بحيث يركن إليه العقلاء يجوز الركون
إليه والاعتماد عليه . فلاحظ قول سبحانه : * ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق
بنبأ فتبينوا ) * فإن ظاهره أن المناط هو تبين الحال وإن كان الراوي غير ثقة .
وعلى هذا ( أي حجية الخبر الموثوق الصدور ) يجوز الركون إلى توثيقات
المتأخرين المتخصصين الماهرين في هذا الفن ، إذا كان قولهم ورأيهم أوجب
الوثوق بصدور الخبر ، خصوصا إذا انضم إليها ما يستخرجه المستنبط من قرائن
اخر مما يوقفه على صحة الخبر وصدوره .
الرابعة : دعوى الاجماع من قبل الأقدمين
ومما تثبت به الوثاقة أو حسن حال الراوي أن يدعي أحد من الأقدمين ،
الاجماع على وثاقة الراوي إجماعا منقولا ، فإنه لا يقصر عن توثيق مدعي
الاجماع بنفسه ، وعلى ذلك يمكن الاعتماد على الاجماع المنقول في حق
كليات في علم الرجال — صفحة 156
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٥٦