الوجه الثاني ما افاده طاب ثراه أيضا ، وهو أن الأوامر الظاهرية
ليست بأوامر حقيقية ، بل هي ارشاد إلى ما هو أقرب إلى الواقعيات .
وتوضيح ذلك - على نحو يصح في صورة انفتاح باب العلم ، ولا يستلزم
شرح
الحكم الظاهري بلا مصلحة لا في ذاته ولا في جعله ، ومع المصلحة فيه فيشبه هذا
التقريب كلام شيخ الطائفة من أن كوننا ظانين بصدق الراوي صفة من صفاتنا ، غاية الأمر
ان المصلحة في الجعل لا في المجعول .
لأنه يقال : نعم إذا طرأت على نفس الفعل جهة ذات مصلحة أقوى أو
مساوية مع الواقع ، فلا اشكال في الكسر والانكسار . وانما الكلام فيما إذا كانت بشئ
خارج عن ذات الفعل ، كما في الضدين مثلا ، ولو كان أحدهما أهم ، فان أهميته لا
تنافي فعلية المهم بالمعنى الذي ذكرنا : من عدم المانع من قبل المولى في مطلوبيته ،
فمصلحة الجعل من قبيل أحد الضدين ، وان كان أقوى بمراتب من الواقع لكن مع
ذلك لا تنافي فعلية الواقع على ما هو عليه .
والحاصل : ان اللطف يقتضي الجعل للجاهل والغافل على طبق مصلحة
الواقع ، بل وللعاصي مع العلم بعصيانه ، لان درك المصلحة ليس علة للجعل حتى ينتفي
الجعل بانتفائه ، وليست المصلحة متعلقة للإرادة ، حتى يلزم تخلف المراد عنها ، بل نفس
الجعل مطابقا للمصلحة لطف ، وكذلك قد تكون المصلحة في الجعل بخلافه أهم من
احراز الواقع ، خصوصا فيما يتوقف احرازه بجعل الاحتياط ، حيث يمكن أن يكون المحذور
فيه أشد من محذور ترك الواقع .
هذا كله حال الجهل بالواقع ، وأما العلم فلا يمكن دخل تجرده في الحكم
الواقعي وان كان في اختلاف الرتبة مع الواقع نظير الشك ، وذلك ، لان حال الشك
في الواقع حال لم يؤثر فيه الواقع ، فلا مانع للجعل بخلافه ، بخلاف حال العلم ، فان
معنى التكليف ان يكون مؤثرا بعد العلم ورفع العذر فالتقييد بعدمه يستلزم نفي اسم
التكليف عنه . ولا فرق في ذلك بين التفصيلي والاجمالي بالنسبة إلى المخالفة القطعية ،
واما الاحتمالية فسيجئ الكلام فيها في الاشتغال - انشاء الله تعالى - وان مرت
الإشارة إليها اجمالا في بعض المباحث السابقة .