( ثانيها ) - أن جعل اليقين الذي هو غاية للاستصحاب عبارة عن اليقين
بالحكم بوجه من الوجوه ، حتى يكون العلم بالحكم - بعنوان أنه قام عليه
خبر العدل - مصداقا له حقيقة ، لا ينفع في البينة القائمة على الموضوع الخارجي على
خلاف الاستصحاب في ذلك الموضوع ، ضرورة أن البينة لا توجب العلم بمؤداها
بوجه ، لان الموضوع غير قابل للجعل .
وبعبارة أخرى لو قام الدليل على حرمة شرب التتن في قبال استصحاب
اباحته مثلا ، أمكن أن يقال إن شرب التتن حرام يقينا ، بعنوان انه قام على حرمته
الدليل المعتبر . وأما إذا قامت البينة على موت زيد في قبال استصحاب حياته ،
فلا يمكن أن يقال إنه ميت يقينا ، بعنوان قيام البينة على موته ، فحياة زيد في المثال
مما علم سابقا ، ولم يعلم عدمه لاحقا بوجه من الوجوه ، فالعمل على طبق البينة
نقض لحياته سابقا بغير يقين بالخلاف .
- منها - إن الوجوه المذكورة ليست عناوين للأحكام ، بمعنى تعلق الاحكام
بها بعناوينها ، بل انما لوحظت طريقا إلى الواقع . ومقتضى ذلك اللحاظ أن
يجعل الحكم الثانوي للعنوان الذي يكون موضوعا للحكم الأولى ، مثلا لو قام
الدليل على حرمة شرب التتن ، فمقتضى طريقية ذلك الدليل ان يصير شرب التتن
بهذا العنوان محرما ، إذ لو لوحظ عنوان قيام خبر العدل في موضوع هذا الحكم ،
كالغصب وسائر العناوين الموضوعة للأحكام ، لخرج الدليل عن كونه طريقا
معتبرا ، من جهة حكايته عن الواقع . وإذا فرض أن مقتضى الدليل كون شرب
التتن محرما بالحرمة الثانوية ، فنقول إن مقتضى الاستصحاب كونه مباحا
بالإباحة الثانوية ، فأي مزية له عليه ، إلا أن يلتزم بان غاية الاستصحاب هو العلم
بالحكم الفعلي ، وإن لم يكن متعلقا بوجه من الوجوه ، سوى الوجوه الواقعية . ونحن
علمنا بحرقة شرب التتن بواسطة الدليل القائم عليها مثلا ، فتحقق العلم الذي هو
شرح
وضوئه ، يتوقف بالطبع عن الدخول في الصلاة ، فإذا سئل عن سبب التوقف ، يعلله
بالشك . والظاهر من القضية رفع هذا التوقف والنقض لا النقض بالدليل .