ولا يخفى عليك أن ما ذكرنا من الميزان أسلم مما ذكر : من أن
مسائل الفقه عبارة عن كل حكم ، يقدر المقلد على العمل به بعد ما أفتى
به المجتهد ، كحرمة الخمر مثلا ونظائرها . بخلاف مسائل الأصول ، فإنه
لا يقدر على العمل بها ، وان أفتى بها المجتهد ، كحجية خبر الواحد وأمثال
ذلك ، فان هذا مخدوش بان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده
وبالعكس من القواعد الفقهية [ 7 ] . ومن المعلوم عدم تمكن المقلد من
العمل بها بعد فتوى المجتهد بتلك القاعدة ، بل يحتاج إلى تعيين ما هو صغرى
لتلك القاعدة .
شرح
صحيح البيع يحتاج إلى نظر واجتهاد فبمؤنته نستكشف حكم الفاسد منها مع ضميمة
الكبرى .
والحاصل انه لا اشكال في صدق الاستنباط في المقام .
وبذلك يظهر عدم انعكاس ما في الكفاية ، حيث يشمل تلك القواعد التي
ذكرت ، فإنها تقع في طريق استنباط الاحكام ، ولا يندفع بمجرد تقييد الاحكام
المستكشفة بالكلية - كما عن بعض - لان الاحكام المستكشفة منها أيضا كلية كما
لا يخفى .
[ 7 ] بل مخدوش بمثل ( الصلاة واجبة ) أيضا ، حيث إن المقلد لا يقدر على
العمل به ما لم يعلم بموضوعه ، ومعلوم ان موضوعه الواجد للاجزاء والشرائط من
المستنبطات ويحتاج إلى اعمال نظر واجتهاد زائدا على وجوبه ، وكذلك بمثل ( كل
مالا يؤكل لحمه لا يجوز استصحاب أجزائه في الصلاة ) ، وكل حكم شرعي يتعلق
بموضوع يحتاج إلى النظر والاجتهاد ، أو إلى موضوع ذي حكم شرعي توقف استنباط
حكمه على الاجتهاد واعمال النظر ، وكذلك ما كان ناظرا إلى الأدلة لتعميم حكمها أو
تخصيصه بلسان الحكومة ، مثلا ( لا ضرر ) و ( لا حرج ) و ( لاشك لكثير الشك )
وغير ذلك ، فإنها ناظرة إلى الأدلة ولاحظ للمقلد فيها قبل المراجعة إلى المجتهد .