وحرفوا ما تبقى ( 1 ) .
أما شهادة القرآن الكريم بأن أهل الكتاب حرفوا أو نسوا حظا
مما ذكروا به . فلقد جاءت في أكثر من آية . منها قوله تعالى : * ( من
الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ( 2 ) . ففي هذه الآية وصف تعالى
هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه . وذلك إما بتغيير مواضع
الألفاظ بالتقديم والتأخير والإسقاط والزيادة . وإما بتفسير ما ورد عن
موسى عليه السلام وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى
الحق ، وقوله تعالى : * ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية
يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظأ مما ذكروا به ) * ( 3 ) قال في
الميزان : إن أهل الكتاب إنما ابتلوا بما ابتلوا له لنسيانهم ميثاق الله
سبحانه ، ولم يكن إلا ميثاقا بالإسلام لله ، وكان لازم ذلك أن يتقوا
مخالفة ربهم ويتخذوه وكيلا في أمور دينهم يختارون ما يختاره لهم ،
ويتركون متابعة غير الله ورسله ، لكنهم نبذوا الميثاق وراء ظهورهم
فأبعدوا من رحمة الله ، وحرفوا الكلم عن مواضعه وفسروها بغير ما أريد
بها ، فأوجب ذلك أن نسوا حظا من الدين ولم يكن إلا حظا وسهما
يرتحل بارتحاله عنهم كل خير وسعادة ، وأفسد ذلك ما بقي بأيديهم من
الدين ، فإن الدين مجموع من معارف وأحكام مرتبط بعضها ببعض يفسد
بعضه بفساد بعض آخر ، سيما الأركان والأصول ( 4 ) .
وإفسادهم للدين الفطري يتضح للقارئ بمجرد أن يتأمل
عقيدتهم في الله ورسله عليهم السلام ، فالتحريف جعل التوراة تشتمل
هامش
( 1 ) تفسيره التاسع على إنجيل متي نقلا من كتاب المقارنات ص 91 .
( 2 ) سورة النساء آية 46 .
( 3 ) سورة المائدة آية 13 .
الميزان 239 / 5 .