عليها الستار بعد بعثة عيسى عليه السلام ، لأنه آخر أنبياء بنو إسرائيل
عليهم السلام ، ولما كان عيسى عليه السلام يسجد لله في اتجاه
أورشاليم ، ولما كانت الدعوة الإلهية اللاحقة تبدأ من حيث انتهت
الدعوة الإلهية التي سبقتها ، باعتبار أن الدعوة الإلهية للناس منذ ذرأ الله
ذرية آدم دعوة واحدة ، صراطها واحد وغاياتها واحدة ، فتبدأ دعوة
اللاحق من الرسل من حيث انتهت دعوة السابق من الرسل ، ثم يفعل الله
ما يشاء ويحكم ما يريد ، ويكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء ، لأنه
تعالى له الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، ولما كان أهل
الكتاب يعلمون من كتب أنبيائهم أن الدعوة الخاتمة لها صفات خاصة
بها ، وأنها ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذي يجب أن يسجد نحوه الناس
لله ، فإن الله تعالى عندما بعث رسوله الخاتم ( ص ) . أمره بالتوجه إلى قبلة
بيت المقدس ، والمعنى الذي يستشف من هذا الحدث هو أن الدعوة
الإلهية دعوة واحدة . وأن الحلقات فيها ترتبط بعضها ببعض ، وتحت
هذا السقف تقام الحجة على الذين اختلفوا في الدين والذين جعلوا
الدين دينا خاص بهم ، وتحت هذا السقف ينظر الله إلى عباده كيف
يعملون . ومن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .
وعندما كانت القبلة في اتجاه بيت المقدس ، تدبر في الأحداث
الذين يعرفون الحق ومعارف الدين والزهاد من أهل الكتاب وأصغوا
لصوت الحق ، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا ، وانطلقوا
يصدون عن سبيل الله ، وبعد أن أقامت الدعوة حجتها على بني إسرائيل
في هذا الأمر ، أمر تعالى رسوله ( ص ) بأن يولي وجهه شطر المسجد
الحرام بمكة ، وأخبره بأن أهل الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم ، قال
تعالى : * ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا
عليها . قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
ابتلاءات الأمم — صفحة 213
مساهمون: سعيد أيوب
ص٢١٣