وإنما عبر به اقتداء بالآية الشريفة وهي : * ( فكفارته إطعام عشرة مساكين ) * الآية ، فلا يكفي أن يصنع لهم طعاما يغديهم
به أو يعشيهم . ( وقوله : عشرة مساكين ) لو ملكهم جملة الامداد كفى ، كما لو ملكهم عشرة أثواب جملة فإنه يكفي ،
بخلاف ما لو ملكهم ثوبا كبيرا يكفي العشرة ، فلا يكفي وإن اقتسموه بعد ذلك ، نعم لو قطعه عشرة قطع وأعطاه لهم كفى
بشرط أن تسمى كل قطعة كسوة . ( قوله : كل مسكين مد ) أي كل مسكين يعطى مدا ، فلا يكفي دون مد لواحد منهم . ولو
أعطى العشرة أمداد لاحد عشر مسكينا لم يكف ، لان كل واحد أخذ دون مد . ( وقوله : حب ) ليس بقيد ، بل الضابط أن
يكون من جنس الفطرة بأن يكون من غالب قوت البلد من الأقوات المفصلة هناك . ( وقوله : من غالب قوت البلد ) أي بلد
المكفر إن كفر عن نفسه ، فإن كفر عنه غيره فالعبرة بغالب قوت بلد المكفر عنه . ( قوله : أو كسوتهم ) يقال فيه ما تقدم ،
والضمير يعود على العشرة مساكين ، والمراد يدفع المكفر لكل واحد منهم ما يطلق عليه كسوة ، وقد علمت أنه يجزئ أن
يدفع للعشرة مساكين عشرة أثواب جملة ، ثم يقتسموها بينهم ، بخلاف ما لو دفع ثوبا كبيرا وإن اقتسموه بعد ذلك ، إلا إن
قطعه عشرة قطع بالشرط المتقدم . ( وقوله : بما يسمى كسوة ) أي بشئ يسمى كسوة مما يعتاد لبسه . ( وقوله : كقميص )
لا يشترط فيه أن يكون صالحا للمدفوع إليه ، فيجزئ أن يدفع للرجل ثوب صغير ، أو ثوب امرأة ، ولا يشترط كونه
جديدا . فيجوز دفعه ملبوسا لم تذهب قوته ولو كان مغسولا أو متنجسا ، لكن يجب عليه أن يعلمهم بنجاسته ، بخلاف
نجس العين فلا يجزئ ، وبخلاف ما ذهبت قوته وهو الثوب البالي فلا يجزئ لضعف النفع به . ( قوله : أو إزار ) أو رداء
أو عمامة ، وإن قلت كذراع . ( قوله : لا خف ) أي ونحوه من كل ما لا يسمى كسوة كقفازين ومنطقة - وهي ما يشد به
الوسط - وخاتم وتكة وتبان : وهو سروال صغير بقدر شبر لا يبلغ الركبة بل يغطي السوأتين كما يلبسه الملاحون ، ودرع من
نحو حديد ، ونعل وجورب وقلنسوة - وهي ما يغطى بها الرأس - وعرقية - وهي الطاقية المعروفة . وقول شيخ الاسلام في
شرح منهجه بأجزائها ، محمول على أن المراد بها شئ آخر كالعراقة التي تجعل تحت البرذعة أو السرج ، وهذا الحمل
وإن كان بعيدا أولى من إبقائه على ظاهره المخالف لكلام الأصحاب . ومما يبعد هذا الحمل المذكور كون العراقة
المذكورة لا تسمى كسوة للآدميين بل للدواب وقد قال تعالى : * ( أو كسوتهم ) * ولم يقل أو كسوة دوابهم . ( قوله : فإن
عجز عن الثلاثة ) أي عن كل واحد من الثلاثة ، والمراد بالعجز ما يشمل الحسي ، كأن لم يجد شيئا من الثلاثة رأسا ،
والشرعي بأن وجد ذلك ولكن لم يملك ثمنه ، أو ملكه ولكن يحتاج إليه لمؤنة نفسه أو ممونه ، وليس من العجز الشرعي
وجود شئ من الثلاثة بأكثر من ثمن مثله كما في التيمم ، بل يصبر إلى أن يجده بثمن مثله ، وكذلك ليس منه ما لو غاب
ماله إلى مسافة القصر فيصير إلى أن يحضر ماله ويكفر به . ( قوله : لزمه صوم ثلاثة أيام ) أي بنية الكفارة ، ويشترط تبييتها .
( قوله : ولا يجب تتابعها ) أي لاطلاق الآية وهي : * ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) * . ( قوله : خلافا لكثيرين ) أي قالوا
بوجوب التتابع ، واحتجوا بذلك بقراءة ابن مسعود ثلاثة أيام متتابعات ، والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل
بها ، ولذلك أوجبوا قطع يد السارق اليمنى في السرقة الأولى بقراءة : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ) * مع كونها
قراءة شاذة ، وأجاب الأولون بأن قراءة متتابعات نسخت تلاوة وحكما فلا يستدل بها ، بخلاف آية السرقة فإنها نسخت
تلاوة لا حكما ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 89 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 89 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 196 .
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 38 .