ويظن لجهله أن هذا من المجاملة في الصحبة ، بل وقد يغضب لغضبهم إظهارا للجاهلية في السراء والضراء ، فيخوض
معهم في ذكر المساوي والعيوب فيهلك . والخاصة كالتعجب من فعل غيره منكرا كأن يقول ما أعجب ما رأيت من فلان ،
أو عجيب من فلان كيف يحب أمته وهي قبيحة ، أو كيف يقرأ على فلان الجاهل وهكذا . يتعين عليك معرفة علاج
الغيبة ، وهو بأن تعلم أنك قد تعرضت بها لسخط الله تعالى وعقوبته ، وأنها تحبط حسناتك ، وبأن تنظر في باعثها فتقطعه
من أصله ، إذ علاج العلة إنما يكون بقطع سببها . ومما ينفعك في ذلك أن تتدبر في عيوبك وتجتهد في الطهارة منها
لتدخل في قوله عليه السلام : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . وما أحسن قول بعضهم :
لعمرك إن في ذنبي لشغلا * لنفسي عن ذنوب بني أمية
على ربي حسابهم إليه * تناهى علم ذلك لا إليه
وليس بضائري ما قد أتوه * إذا ما الله أصلح ما لديه
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لبعض إخوانه : أوصيك بستة أشياء : إن أردت أن تقع في أحد وتذمه فذم
نفسك ، فإنك لا تعلم أحدا أكثر عيوبا منها ، وإن أردت أن تعادي أحدا فعاد البطن ، فليس لك عدو أعدى منها ، وإن
أردت أن تحمد أحدا ، فاحمد الله فليس أحد أكثر منه منة عليك وألطف بك منه ، وإن أردت أن تترك شيئا ، فاترك الدنيا
فإنك إن تركتها فإنك محمود وإلا تركتك وأنت مذموم ، وإن أردت أن تستعد لشئ ، فاستعد للموت فإنك إن لم تستعد له
حل بك الخسران والندامة ، وإن أردت أن تطلب شيئا ، فاطلب الآخرة فلست تنالها إلا بأن تطلبها . اللهم بصرنا بعيوب
أنفسنا عن عيوب غيرنا يا كريم .
( قوله : واللعب ) مبتدأ خبره مكروه . قال في شرح الروض : واحتج لإباحة اللعب به بأن الأصل الإباحة ، وبأن فيه
تدابير الحروب . وللكراهة بأن فيه صرف العمر إلى ما لا يجدي ، وبأن عليا رضي الله عنه مر بقوم يلعبون به فقال : ما
هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ اه . ( قوله : إن لم يكن فيه ) أي في اللعب بالشطرنج ، وهو قيد في الكراهة .
( وقوله : شرط مال من الجانبين ) أي جانب اللاعبين : أي بأن يشرط كل واحد منهما على الآخر مالا إن غلب . ( وقوله :
أو أحدهما ) أي وإن لم يكن فيه شرط مال من أحد اللاعبين بأن يخرج مالا ليبذله إن غلب - بالبناء للمجهول - ويمسكه إن
غلب ، وليس له على الآخر شئ . ( قوله : أو تفويت صلاة ) معطوف على شرط مال : أي وإن لم يكن فيه تفويت لصلاة :
أي عن أدائها في الوقت . ( وقوله : ولو بنسيان ) أي سواء كان تفويته لها عمدا ، أو نسيانا ، نشأ عن الاشتغال باللعب به .
قال في الزواجر :
فإن قلت : لو استغرقه اللعب به حتى أخرج الصلاة عن وقتها غير متعمد لذلك ، فما وجه تأثيمه مع أنه الآن غافل ،
والغافل غير مكلف فيستحيل تأثيمه ؟
قلت : محل عدم تكليف الناسي والغافل حيث لم ينشأ النسيان والغفلة والجهل عن تقصيره ، وإلا كان مكلفا آثما .
أما في الغفلة فلما صرحوا به في الشطرنج من أنه لا يعذر بإستغراقه في اللعب به حتى خرج وقت الصلاة ، وهو لا يشعر
لما تقرر أن هذه الغفلة نشأت عن تقصيره بمزيد إكبابه وملازمته على هذا المكروه حتى ضيع بسببه الواجب عليه ، وأما في
الجهل فلما صرحوا به من أنه لو مات إنسان فمضت عليه مدة ولم يجهز ولا صلي عليه ، أثم جاره وإن لم يعلم بموته ، لان
تركه البحث عن أحوال جاره إلى هذه الغاية تقصير شديد ، فلم يبعد القول بعصيانه . اه .
( قوله : أو لعب ) الأولى قراءته بصيغة الفعل ، وهو مع فاعله معطوف على مدخول يكن : أي وإن لم يكن لعب به
مع معتقد تحريمه كحنفي ومالكي . ( قوله : وإلا ) أي بأن كان فيه شرط مال من الجانبين ، أو من أحدهما ، أو كان فيه
إعانة الطالبين — صفحة 326
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣٢٦