تنبيه : قال في المغني : قبول الرشوة حرام ، وهو ما يبذل له ليحكم بغير الحق ، أو ليمتنع من الحكم بالحق ، وذلك
لخبر : لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه ابن حبان وغيره وصححوه . لان الحكم الذي يأخذ عليه المال إن
كان بغير حق ، فأخذ المال في مقابلته حرام . أو بحق فلا يجوز توقيفه على المال إن كان له رزق في بيت المال ، وروي :
أن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت ، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر واختلف في تأويله فقيل : إذا أخذها
مستحلا ، وقيل أراد أن ذلك طريق وسبب موصل إليه ، كما قال بعض السلف ، المعاصي بريد الكفر . اه . ( قوله :
ونقض القاضي لخ ) شروع فيما ينقض حكم الحاكم ، وقد ترجم له في الروض بفصل مستقل ، وعبارته مع شرحه :
فصل : فيما ينقض من قضائه أي القاضي . ولنقدم عليه قواعد فنقول : المعتمد فيما يقضي به القاضي ، ويفتي به المفتي
الكتاب والسنة والاجماع ، وقد يقتصر على الكتاب والسنة ، ويقال الاجماع يصدر عن أحدهما ، والقياس يرد إلى
أحدهما ، وليس قول الصحابي إن لم ينتشر في الصحابة حجة ، لأنه غير معصوم عن الخطأ ، فأشبه التابعي ، ولان غيره
يساويه في أدلة الاجتهاد فلا يكون قوله حجة على غيره ، لكن يرجح به أحد القياسين على الآخر . وإذا تقرر أنه ليس
بحجة فاختلاف الصحابة في شئ كاختلاف سائر المجتهدين ، فلا يكون قول واحد منهم حجة . نعم : إن لم يكن
للقياس فيه مجال فهو حجة ، كما نص عليه الشافعي في اختلاف الحديث فقال : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى
في ليلة ست ركعات ، في كل ركعة ست سجدات ، وقال : لو ثبت ذلك عن علي لقلت به ، فإنه لا مجال للقياس فيه .
فالظاهر أنه فعله توقيفا اه . فإن انتشر قول الصحابي في الصحابة ووافقوه ، فإجماع خفي في حقه ، فلا يجوز له كغيره
مخالفة الاجماع ، فإن خالفوه فليس بإجماع ولا حجة ، فإن سكتوا بأن لم يصرحوا بموافقته ولا بمخالفته ، أو لم ينقل
سكوت ولا قول ، فحجة سواء كان القول مجرد فتوى أم حكما من إمام أو قاض ، لأنهم لو خالفوه لإعترضوا عليه ، هذا إن
انقرضوا ، وإلا فلا يكون حجة لاحتمال أن يخالفوه لأمر يبدو لهم . والقياس جلي وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين
الأصل والفرع ، أو بعد تأثيره . وغير جلي وهو ما لا يقطع فيه بذلك ، والحق كائن مع أحد المجتهدين في الفروع . قال
صاحب الأنوار : وفي الأصول والآخر مخطئ مأجور لقصده الصواب . ولخبر الصحيحين : إذا اجتهد الحاكم فأصاب
فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر اه . بحذف . ( قوله : حكما لنفسه أو غيره ) أي حكما صدر من نفسه أو صدر من
غيره ، لكن إذا صدر من غيره ونقضه ، سئل عن مستنده . وقولهم لا يسأل القاضي عن مستنده ، محله إذا لم يكن حكمه
نقضا ، ومحله أيضا كما مر إذا لم يكن فاسقا أو جاهلا . ( قوله : إن كان الخ ) قيد في النقض : أي محل كون الحكم
ينقض إن بان مخالفا للنص . ( وقوله : كتاب أو سنة ) بدل من قوله نص أو عطف بيان له ، وهذا إن كان القاضي مجتهدا .
( قوله : أو نص مقلده ) . أي أو كان بخلاف نص مقلده - بفتح اللام - وهذا إن كان مقلدا ، لما تقدم أن نص المقلد بالنسبة
للمقلد كنص الشارع بالنسبة للمجتهد المطلق . ( قوله : أو قياس جلي ) عطف على نص : أي أو كان بخلاف قياس
جلي ، والمراد به غير الخفي فيشمل المساوي . وخرج به ما إذا كان بخلاف قياس خفي ، فلا ينقض الحكم به . وعبارة
الروض وشرحه . فإن بان له الخطأ بقياس خفي رجحه : أي رآه أرجح مما حكم به ، إعتمده مستقبلا : أي فيما يستقبل من
أخوات الحادثة ، ولا ينقض به حكما ، لان الظنون المتقاربة لا استقرار لها ، فلو نقض ببعض لما استمر حكم ولشق الامر
على الناس ، وعن عمر رضي الله عنه أنه شرك الشقيق في المشركة بعد حكمه بحرمانه ، ولم ينقض الأول وقال : ذاك على
ما قضينا وهذا على ما نقضي . اه . ( قوله : وهو ) أي القياس الجلي . ( قوله : ما قطع فيه بإلحاق الفرع ) أي المقيس
للأصل : أي المقيس عليه ، وذلك كإلحاق الضرب بالتفيف في قوله تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ) * وكإلحاق ما فوق
الذرة بها في قوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * كما تقدم أول الباب . ( قوله : أو إجماع ) عطف على نص ،
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 .
( 2 ) سورة الزلزلة ، الآية : 7 .