مع حط الأجرة أو لا يضمن ؟ قياس ما مر من عدم الضمان إلا بتقصير فيما لو اكتراه لخياطة ثوب فتلف انه هنا كذلك ، فتنبه
( قوله : ولو استأجر ) أي شخص ، وقوله سفينة ، أي أو نحوها كسنبوك ، أو مركب ، أو بابور ( قوله : فدخلها ) أي السفينة
( قوله : فهل هو ) أي السمك وقوله له ، أي للمستأجر ( قوله : وجهان ) قال في المغني : حكاهما ابن جماعة في فروقه ،
أوجههما ، أنه للمستأجر ، لأنه ملك منافع السفينة ويده عليها ، فكان أحق به . اه .
( تتمة ) في بيان أحكام الجعالة التي تركها المؤلف وكان حقه أن يذكرها تبعا لغيره من الفقهاء ، واختلفوا في موضع
ذكرها ، فمنهم من ذكرها عقب الإجارة ، كالغزالي ، وصاحب التنبيه ، وتبعهم في الروضة لاشتراكهما في غالب الاحكام ،
إذ الجعالة لا تخالف الإجارة إلا في خمسة أحكام ، أحدها صحتها على عمل مجهول عسر علمه ، كرد الضالة والآبق ،
فإن لم يعسر علمه ، اعتبر ضبطه ، كما سيأتي ، إذ لا حاجة إلى احتمال الجهل حينئذ . ثانيها : صحتها مع غير معين ، كأن
يقول من رد ضالتي فله علي كذا . ثالثها : كونها جائزة من الطرفين ، طرف الجاعل ، وطرف العامل . رابعها : العامل لا
يستحق الجعالة إلا بعد تمام العمل . خامسها : عدم اشتراط القبول ، ومنهم من ذكرها عقب اللقطة ، وهم الجمهور ،
وتبعهم النووي في منهاجه ، نظرا إلى ما فيها من التقاط الضالة ، وهي بتثليث الجيم لغة ، ما يجعل للانسان على فعل
شئ ، سواء كان بعقد ، أو بغيره ، وشرعا التزام عوض معلوم على عمل معين أو مجهول عسر علمه ، وأركانها إجمالا
أربعة ، وكلها قد تضمنها التعريف المذكور ، الركن الأول : العاقد ، وهو الملتزم للعوض ، ولو غير المالك ، والعامل ،
وشرط في الأول ، اختيار ، وإطلاق تصرف ، فلا تصح التزام مكره ، وصبي ، ومجنون ، ومحجور سفه ، وفي الثاني : ولو
كان غير معين ، علمه بالالتزام ، فلو قال إن رد آبقي زيد
فله كذا ، فرده غير عالم بذلك ، لم يستحق شيئا ، والمثال الأول للمعين ، والثاني لغيره ، وشرط فيه أيضا ، إذا كان
معينا ، أهلية العمل ، فيصح ممن هو أهل له ، ولو عبدا ، وصبيا ، ومجنونا ، ومحجور سفه ، بخلاف صغير لا يقدر على
العمل ، لان منفعته معدومة ، فالجعالة معه كاستئجار أعمى للحفظ ، وهو لا يصح ، فكذلك هذا الركن الثاني : الصيغة ،
وهي من طرف الجاعل ، لا العامل ، فلا يشترط قبول منه لفظا ، بل يكفي العمل منه ، وشرط فيها عدم التأقيت ، لان
التأقيت قد يفوت الغرض ، الركن الثالث ، الجعل وشرط فيه ما شرط في الثمن ، فما لا يصح ثمنا لكونه مجهولا أو نجسا ،
لا يصح جعله جعلا ، ويستحق العامل أجرة المثل في المجهول والنجس المقصود ، كخمر ، وجلد ميتة ، فإن لم يكن
مقصودا ، كدم ، فلا شئ له . الركن الرابع : العمل وشرط فيه كلفة ، وعدم تعينه ، فلا جعل فيما لا كلفة فيه ، كأن قال من
دلني على مالي فله كذا ، فدله عليه ، وهو بيد غيره ، ولا كلفة ، ولا فيما تعين ، كأن قال من رد مالي فله كذا ، فرده من تعين
عليه الرد لنحو غصب ، لان ما لا كلفة فيه وما تعين عليه شرعا ، لا يقابلان بعوض ، ولو حبس ظلما فبذل مالا لمن يخلصه
بجاهه أو غيره كعلمه وولايته ، جاز ، لأن عدم التعين صادق بكون العمل فرض كفاية . ولا فرق في العمل بين كونه
معلوما ، وكونه مجهولا عسر علمه للحاجة ، كما في القراض ، فإن لم يعسر علمه ، اشترط ضبطه ، ففي بناء حائط ، يذكر
موضعه ، وطوله ، وعرضه ، وارتفاعه ، وما يبنى به ، وفي الخياطة ، يعتبر وصفها ووصف الثوب ، والأصل فيها قبل
الاجماع ، خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وهو الراقي ، وذلك أنه كان مع جماعة من الصحابة في السفر ، فمروا
بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم ، فلم يضيفوهم ، فباتوا بالوادي ، فلدغ رئيس ذلك الحي ، فأتوا له بكل دواء ، فلم
ينجع ، أي لم ينفع بشئ ، فقال بعضهم لبعض ، سلوا هذا الحي الذي نزل عندكم ، فسألوهم ، فقالوا هل فيكم من راق ،
فإن سيد الحي لدغ ؟ فقالوا نعم ، ولكن لا يكون ذلك إلا بجعل ، لكونهم لم يضيفوهم ، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم ،
إعانة الطالبين — صفحة 146
مساهمون: البكري الدمياطي
ص١٤٦