أقول : فيه بعد ظاهر ؛ فإنه عليه السّلام كثيرا ما يستشهد بالأمثال المتقدّمة ، مثل قوله في الخطبة الشقشقيّة :
" شتان ما يومي على كورها
ويوم حيان أخي جابر " ( 1 )
ومثل قوله في جواب المغيرة وقد اعترضه في بعض كلامه :
" أصبحت فردا لراعي الضان يلعب بي
ماذا يريبك مني راعي الضان " ( 2 )
ومثله كثير . ولعل مراده عليه السّلام من ذكر هذا المثل : أني أريه الآخرة ويريني الدنيا ، والآخرة أمر خفيّ ؛ لاحتياجها إلى الفكر والاستدلال ، وكون غايتها لا تدرك بالحس ، فهي من هذه الجهة مشابهة للسها ، والدنيا ظاهرة مكشوفة مشاهدة بالعيان ، لا تحتاج إلى حجة ولا برهان ، كالقمر الساطع .
" أمتنع من وبرة " ، واحدة الوبر ، وهو صوف الإبل والأرانب ونحوها . قاله في ( القاموس ) ( 3 ) .
" من قلوصها ساقطة " ، القلوص من الإبل : الشابة ، أو الباقية على السير ، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثني ، [ ثم هي ] ( 4 ) ناقة . قاله في ( القاموس ) ( 5 ) .
وفي ( المصباح ) : ( والقلوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء ، وهي الشابة ، والجمع : قلص - بضمتين - وقلاص - بالكسر - وقلائص ) ( 6 ) .
وقوله : " ساقطة " صفة ل " وبرة " ، وهو إشارة إلى تحقيرها وعدم الاعتداد بها .
" وأبتلع إبلا في مبركها رابضة ؟ " ، أي باركة ، بمعنى : أمتنع من أقل قليل ، وهو
هامش
( 1 ) البيت من السريع . نهج البلاغة : 27 / الخطبة : 3 .
( 2 ) البيت من البسيط . انظر شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) 4 : 75 ، وفيه : هزءا لراعي الضأن أتبعه ، بدل : فردا لراعي الضأن يلعب بي ، وهو بهذا النص لامية بن الأسكر كما في معجم البلدان 2 : 151 - جلذان .
( 3 ) القاموس المحيط 2 : 213 - الوبر .
( 4 ) من المصدر ، وفي النسختين : فهي .
( 5 ) القاموس المحيط 2 : 461 - قلص .
( 6 ) المصباح المنير : 513 - قلصت .