لا يعلمون » - يفترض أنّ المكلّف مؤمّن من ناحية التكليف وغير ملزم بالاحتياط تجاهه في حال عدم علمه به ، وهذا يعني أنّ الشكّ وعدم العلم قد أُخذ في موضوع دليل البراءة ، في حين إنّ لسان دليل الاستصحاب يفترض أنّ المكلّف ليس بشاكّ تعبّداً ويأمره بإبقاء اليقين السابق وعدم نقضه بالشكّ بالرغم من وجوده حقيقة ، فيكون هذا الدليل ناظراً إلى موضوع دليل البراءة ونافياً له تعبّداً ، وهو معنى الحكومة .
إن قلت : لِمَ لا نفترض العكس ، ونقول : إنّ دليل البراءة هو الحاكم على دليل الاستصحاب ؟
قلت : هذا غير صحيح ؛ لأنّ لسان دليل البراءة لا يثبت عدم علم المكلّف بالتكليف المشكوك ليكون ناظراً إلى ما يثبته دليل الاستصحاب من الحكم ببقاء العلم السابق تعبّداً ، ونافياً له ، وإنّما لسانه التأمين من ناحية التكليف المشكوك لا غير ، إذ قلنا في بداية بحث الأصول العمليّة أنّ البراءة - وكذا باقي الأصول - لا تبيّن حكماً وإنّما تحدّد الوظيفة العمليّة للشاكّ لا أكثر .
الوجه الثاني : أنّ دليل الاستصحاب أقوى ظهوراً في الشمول لمثل الشكّ في حرمة مقاربة الحائض بعد النقاء من دليل البراءة ، وفي تفسير أقوائية ظهوره نطرح قرينتين :
الأولى : قوله ( عليه السلام ) في صحيحة زرارة « أبداً » ، فإنّ التأبيد بعدم نقض اليقين بالشكّ أقوى دلالة في شمول دليل الاستصحاب لموارد الشكّ - كالشكّ في حرمة مقاربة الحائض في المثال - من شمول دليل البراءة له .
الثانية : إنّ دليل البراءة عامّ ويثبت أنّ المكلّف مؤمّن من ناحية التكليف المشكوك مطلقاً سواء كان الشكّ مسبوقاً بالعلم أو لا ، بينما نجد أنّ الشارع في دليل الاستصحاب قد نزّل بعض الشكّ - وهو الشكّ المسبوق بالعلم - منزلة اليقين ، فيكون الدليل الدالّ على افتراض الشكّ يقيناً أقوى ظهوراً
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 343
مساهمون: علاء السالم
ص٣٤٣