من الدليل الذي لم يفترض الشكّ وينزّله منزلة اليقين . وبعبارة أخرى : إنّ دليل البراءة عامّ يشمل مطلق الشكّ ، ودليل الاستصحاب خاصّ يشمل الشكّ المسبوق بالعلم ، والخاصّ يُقدّم على العامّ عند التعارض ؛ لأنّه أقوى ظهوراً منه كما تقدّم في بحث الجمع العرفي .
والفرق بين هذا الوجه بقرينتيه والوجه السابق : أنّ تقديم الاستصحاب على البراءة في الوجه الأوّل كان لأجل الحكومة وهي قرينة شخصيّة ، بينما تقديمه عليها في الوجه الثاني كان لأجل أقوائية الظهور والتخصيص ، وهو قرينة نوعية .
ثمّ إنّ هذين الوجهين كما ينتجان تقديم الاستصحاب على البراءة ، كذلك ينتجان تقديمه على باقي الأصول الشرعيّة المؤمّنة كالطهارة والحلّية ؛ إذ لا يختلفان عن البراءة من هذه الجهة .
التعارض بين الأصل السببي والمسبّبي
وفي مثل حالة التعارض هذه يقدّم الأصل السببي على المسبّبي بلا خلاف بين الأصوليّين .
إنّما الكلام في تفسير ذلك وتصويره فنّياً ، فقد فسّر الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) ذلك على أساس الحكومة ، أي أنّ الأصل السببي حاكم على الأصل المسبّبي لأنّه ناظر إلى موضوعه ونافٍ له تعبّداً ، بينما فسّر السيّد الشهيد ( قدس سره ) ذلك على أساس أقوائية ظهور الأصل السببي على الأصل المسبّبي ، وما هو أقوى ظهوراً يُقدّم عند التعارض ، وطرح قاعدة عامّة مفادها : « كلّما كان أحد الأصلين يعالج مورد الأصل الآخر دون العكس قدّم الأصل الأوّل على الثاني » .
والفرق بين القولين أنّ التقديم بلحاظ أقوائيّة الظهور لا يتوقّف على