تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
في كتاب الله نرجّح ما خالف العامّة - من أخبار وآراء - على ما وافقهم . طبعاً ، لابدّ أن يلتفت إلى أنّ آراء علمائهم التي يعتبر مخالفتها مرجّحاً ، يقصد بها الآراء الموجودة في عصر المعصوم لا المستحدثة بعد ذلك ؛ لأنّ التقيّة التي كانت سبباً في وجود الخبر الموافق إنّما يصحّ فرضها بالنسبة إلى ما هو السائد عند العامّة من أخبار وآراء في عصر صدور الخبر ، لا فيما بعد ذلك . ومن خلال هذا المرجّح تنفتح لنا نافذة نطلّ من خلالها على شرط من شروط الفقيه المجتهد ، وهو ضرورة إحاطته ومعرفته بآراء العامّة ، وهو ما كان معروفاً بين الرعيل الأوّل من فقهاء الإماميّة ، حتى ألَّف بعضهم كتباً خاصّة في هذا المجال ككتاب ( الخلاف ) للشيخ الطوسي ، وبقي هذا المنهج سائداً إلى زمن الشهيد الأوّل ، فقد تضمّنت الكتب الفقهيّة لعلمائنا آراء علماء العامّة وهو واضح لمن تتبّع كتب القوم وخصوصاً العلّامة الحلّي في كتابه ( المنتهى ) ، ثمّ بدأ ينحسر هذا المنهج شيئاً فشيئاً في الأزمنة المتأخّرة لأسباب عديدة لسنا الآن بصدد عرضها . ومن أمثلة إعمال هذا المرجّح مسألة طهارة الخمر ونجاسته ، فإنّ الروايات الواردة فيه متعارضة ، ولكن مع هذا ذهب علماؤنا إلى القول بالنجاسة - مع أنّ القاعدة الأوّلية عند استقرار التعارض هو القول بالتساقط ، والرجوع إلى الأصل الأوّلي في الأشياء وهو الطهارة - لأنّ الرأي السائد عند العامّة هو القول بالطهارة ، فيسقط الخبر الموافق لهم بحمله على التقيّة ، ويؤخذ بالخبر الدالّ على نجاسة الخمر . إن قلت : قد يؤدّي إعمال هذا المرجّح إلى ضياع بعض الأحكام ، فقد نطرح خبراً موافقاً للعامّة مع أنّه يتضمّن حكماً واقعيّاً ، أو نأخذ بخبر مخالف لهم مع أنّه ليس الحكم الواقعي .