وأمّا المقصود بموافقة الخبر الراجح للكتاب فهو ليس بمعنى أنّ كلّ ما في الرواية لابدّ وأن يكون مذكوراً في القرآن الكريم ، وإنّما هو بمعنى عدم كون الخبر مخالفاً له لا أكثر ؛ إذ من الصعب - إن لم يكن نادراً - وجود خبر موافق لما ورد في آي الذِّكر الحكيم حرفيّاً ، لأنّ القرآن عادةً ما يذكر القضايا الكلّية المرتبطة بالشريعة دون التعرّض إلى تفاصيلها وجزئيّاتها التي تكفّل بيانها النبيّ الكريم ( صلى الله عليه وآله ) وعترته الطاهرة عليهم أفضل الصلاة والسلام . فكون الصلاة « 17 » ركعة - مثلاً - لم تقم عليها آية بالخصوص ، ولكنّا مع ذلك نقول بموافقتها للكتاب ومعنى موافقتها له هو عدم مخالفتها .
فترجع صفتا المرجّح الأوّل إلى كونهما صفة واحدة وهي عدم مخالفة الخبر للكتاب ، والنتيجة : أنّ الخبر المخالف والمعارض للكتاب بنحو التعارض غير المستقرّ لو ورد وحده عن المعصوم وكان خاصّاً والآية عامّة ، فلا إشكال في تقديم ظهور الخبر عليها وتخصيصها به ، ولا يقال : كيف يتمّ ذلك مع أنّ الآية قطعيّة والخبر ظنّي ، لأنّه يقال : إنّ قطعيّة الآية إنّما هي بلحاظ السند لا الدلالة ، فإنّها ظاهرة في المطلوب ، فيُقدّم ما هو أقوى ظهوراً عليها وهو الخبر الخاصّ في المقام ، كما يفعل في موارد الجمع العرفي .
ولكن حيث إنّ الخبر الخاص في المقام مبتلىً بخبر آخر معارض له ، وهذا الخبر موافق للكتاب حسب الفرض ، فيُقدّم الخبر الموافق على المخالف وتسقط حجّية الأخير ، هذا كلّه في المرجّح الأوّل .
ترجيح ما خالف العامّة على ما وافقهم
وأمّا المرجّح الثاني الذي ذكرته الرواية فهو مخالفة العامّة ، بمعنى أنّ الخبر المخالف للعامّة يرجّح على الخبر الموافق لهم وتسقط حجّية الأخير ، وهذا المرجّح يُرجع إليه عند عدم وجود المرجّح الأوّل كما أسلفنا .