ولك أن تقول : هل ترجيح أحد الخبرين المتعارضين يختصّ بحالة العرض على أخبار العامّة فقط ، أم يشمل فتاوى علمائهم أيضاً ، فإنّ المنشأ الذي تستند إليه فتاواهم ليس هو الأخبار دائماً ، بل قد يكون المصالح المرسلة أو الاستحسان أو القياس أو سنّة الصحابي وغير ذلك من الأصول المعتمدة عندهم والتي تساهم في تكوين الرأي الفقهي لدى علمائهم ، والسؤال : إنّ أمر الإمام ( عليه السلام ) بعرض الخبرين المتعارضين على العامّة هل يختصّ بعرضها على أخبارهم أو على الأعمّ منها ومن الآراء ؟
ووجه القول باختصاص العرض على الأخبار هو ما ورد في ذيل الرواية المتقدّمة : « فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة . . . » ، حيث أمر ( عليه السلام ) بالعرض على أخبار العامّة ، فيحتاج التعدّي منها إلى آرائهم إلى دليل .
وإجابةً نقول : إنّ الصحيح هو التعدّي من الموافقة والمخالفة لأخبار العامّة إلى الموافقة والمخالفة لآرائهم وفتاوى علمائهم ؛ لأنّ الإمام ( عليه السلام ) في الرواية المتقدّمة - وغيرها من الروايات التي تضمّنت الأخذ بما خالف العامّة وطرح ما وافقهم - لم يكن أمره فيها أمراً وحكماً تعبّدياً صرفاً ، بل هو أمر وحكم مبتنٍ على نكتة وهي لحاظ ما اكتنف الأئمّة من ظروف التقيّة التي كانت تحكم عصرهم جرّاء السياسات الظالمة التي انتهجتها سلطات الجور الحاكمة آنذاك ، وظرف التقيّة هذا قد يوجب على الإمام ( عليه السلام ) الإجابة عن مسألة بجواب يوافق فتاوى علمائهم وأئمّة مذاهبهم ، فنفس السبب الموجب لترجيح الخبر المخالف لأخبار العامّة موجود في الخبر المخالف لآراء علمائهم .
إذاً ، بمناسبات الحكم والموضوع يمكننا التعدّي من أخبار العامّة إلى آرائهم ، ونخلص إلى أنّه في حالة ورود الخبرين المتعارضين وعدم وجودهما
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 329
مساهمون: علاء السالم
ص٣٢٩