الكذب حرام ولا يجوز فعله واستحقاق العقوبة لو كذب ، بينما معنى حجّية « الكذب حلال » هو الجري العملي على أساس أنّ الكذب حلال والتأمين من ناحية الحرمة التي يثبتها الدليل الأوّل ، ومثل هاتين الحجّتين لا يمكن اجتماعهما معاً ، إذ كيف يجتمع النهي عن شيء وحرمته مع إباحته وعدم حرمته ، وهل هذا إلّا اجتماع النقيضين ؟
فظهر أنّ هذا الاحتمال ممتنع ، ولا يعقل أن يكون دليل الحجّية العامّ دالّاً عليه .
الاحتمال الثاني : أن يكون الشارع قد جعل الحجّية للخبرين المتعارضين ولكن بنحو مشروط - وليس بنحو مطلق كما كان يفترضه الاحتمال الأوّل - أي أنّ حجّية « لا تكذب » مشروطة بعدم الالتزام بالآخر أي « الكذب حلال » ، وحجّية « الكذب حلال » مشروطة بعدم الالتزام ب « لا تكذب » من قبيل ما ذكرناه في أفراد الواجب التخييري ؛ فإنّ وجوب الإطعام في الكفّارة مشروط بترك العتق أو الإطعام ، والأمر بالنسبة إلى العتق أو الإطعام كذلك . والمقام من هذا القبيل ويكون الحجّة من بين الدليلين المتعارضين هو ما التزم به المكلّف خاصّة دون الدليل الآخر ؛ لعدم تحقّق شرطه .
وهذا الاحتمال ممتنع وغير معقول أيضاً ؛ وذلك لفعليّة كلا الدليلين عند عدم التزام المكلّف بهما معاً ، لأنّ المشروط يصير فعليّاً عند تحقّق شرطه ، وحجّية الدليل الأوّل في المقام مشروطة بترك الدليل الثاني والمفروض أنّه تارك له فتكون فعليّة ، وحجّية الدليل الثاني مشروطة بترك الأوّل وهو تارك له فتكون فعليّة أيضاً ، فتكون حجّية كلا الدليلين فعليّة في وقت واحد ، وهو عبارة أخرى عن مطالبة الشارع إيّانا بتصديق كلا الدليلين المتكاذبين
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 315
مساهمون: علاء السالم
ص٣١٥