وبعد بطلان الاحتمال الثالث والرابع تتعيّن صحّة الاحتمال الخامس القائل بتساقط كلا الخبرين عند استقرار التعارض بينهما .
فتحصّل أنّ القاعدة التي يُنتهى إليها في حالات التعارض المستقرّ بلحاظ دليل الحجّية العامّ للخبرين المتعارضين هي التساقط .
قاعدة نفي الثالث
في ذيل الحكم الثاني من أحكام التعارض يتعرّض المصنّف ( قدس سره ) لقاعدة تسمّى في كلمات الأصوليّين بقاعدة نفي الثالث .
وتوضيحها : لو جاء دليل وقال : « تحرم الصلاة تطوّعاً عند الغروب » ، وجاء دليل آخر وقال : « يجوز الصلاة تطوّعاً عند الغروب » ، فبين هذين الدليلين جهة يتعارضان فيها وجهة يتّفقان فيها ، أمّا الجهة الأولى فهي المدلول المطابقي في الدليلين ، حيث إنّ المدلول المطابقي في الدليل الأوّل يعارض المدلول المطابقي للدليل الثاني ؛ لأنّ الأحكام التكليفيّة متضادّة فيما بينها ولا يمكن أن تكون صلاة التطوّع حراماً وجائزة في وقت واحد .
وأمّا جهة الاتّفاق فهي المدلول الالتزامي لكلا الدليلين وهو « عدم وجوب صلاة التطوّع عند الغروب » ، إذ إنّ المدلول الالتزامي لتحريمها في الدليل الأوّل هو عدم وجوبها ، كما أنّ المدلول الالتزامي لجواز الإتيان بها هو عدم وجوبها أيضاً .
والسؤال : هَبْ أنّ المدلول المطابقي لكلا الدليلين المتعارضين في المثال يسقط ولا يثبت للتعارض ، ولكن هل نستطيع إثبات المدلول الالتزامي الذي يعدّ جهة مشتركة بين الدليلين ، ولا يتعارضان بالنسبة إليه ؟
والجواب : إنّ ذلك مبنيّ على مسألة تقدّم بحثها في بداية هذه الحلقة وهي تبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقيّة في الحجّية ، فقد بيّنا هناك