مقتضاها طرح الخبرين أم الأخذ بهما أم ماذا ؟
ولتحديد مفاد دليل الحجّية العامّ وبيان القاعدة التي ينتهى إليها عند استقرار التعارض بين الدليلين بلحاظه ، نستعرض الاحتمالات التي بوسعها أن تكون مدلولاً لدليل الحجّية العامّ ثمّ بيان الممتنع منها والممكن ثبوتاً ، وفي الأخير بيان الاحتمال الصحيح من بين الاحتمالات الممكنة ثبوتاً ، والاحتمالات خمسة :
الاحتمال الأوّل : أن يكون الشارع قد جعل الحجّية لكلّ من الدليلين المتعارضين ، بمعنى أنّ آية النبأ - مثلاً - تشمل الخبرين المتعارضين .
وهذا الاحتمال مستحيل ثبوتاً ؛ إذ لا يعقل أن يقول الشارع : « لا تكذب » و « الكذب حلال » ، ويجعل كلّ منهما حجّة ، ويطالبنا بالتصديق بهما والعمل على طبقهما ، فإنّ « لا تكذب » يقتضي حرمة الكذب وتنجّز هذه الحرمة ، بينما مقتضى « الكذب حلال » إباحة الكذب وعدم حرمته ، وبعبارة ثانية : إنّ كلّاً من الدليلين يكذّب الآخر ، ولا يعقل أن يطالبنا الشارع بتصديق الدليلين المتكاذبين .
إن قلت : إنّ دليل الحجّية لا يعيّن لنا الدليل المطابق للواقع من بين الدليلين المتعارضين ، ولا يطالبنا بالتصديق والاقتناع بهما وجداناً ، بل يطالبنا بالتصديق بهما عملاً ، بمعنى حثّ المكلّف على الجري العملي على طبقهما وجعلهما منجّزين عند إصابة الواقع ومعذّرين عند المخالفة .
قلت : إنّ جعل الحجّية للدليل وإن كان كما صوّره المستشكل - فإنّ دليل خبر الواحد أو الاستصحاب لا يعيّن الواقع بل يحدّد العمل على طبق مفاد الدليل عند الشكّ - إلّا أنّ التصديق العملي بالدليلين المتكاذبين غير ممكن أيضاً ؛ لأنّ معنى حجّية « لا تكذب » هو الجري العملي على أساس أنّ
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 314
مساهمون: علاء السالم
ص٣١٤