إلى هذين الدليلين لم يجد بينهما تنافياً بحسب أسلوب العرف في الكلام ويمكن الجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر ، ولذا يسمّى مثل هذا النوع من التنافي بالتعارض غير المستقرّ .
فقاعدة الجمع العرفي إذاً : قاعدة يتمّ من خلالها الجمع بين الدليلين المتعارضين في نظر العرف فيما إذا كان أحد الدليلين معدّاً من قبل المتكلِّم لتفسير مراده ومقصوده من الدليل الآخر ، والجمع العرفي يكون بحمل وتفسير الدليل الآخر على ضوء الدليل المفسِّر .
ومثل هذا الجمع كثيراً ما يستعمله العقلاء وأبناء العرف في محاوراتهم ، فلو صدر من المتكلِّم كلام أوضح فيه قضية ما ، ثمّ أصدر كلاماً آخر يبدو في ظاهره مخالفاً لكلامه السابق - كما لو قال : « أكرم العلماء » ثمّ قال : « لا تكرم العالم الفاسق » - فإنّ العرف يفهم أنّ ما أصدره ثانياً يكون مفسِّراً وقرينة على تعيين المراد من الكلام الأوّل وأنّ المقصود هو إكرام خصوص العالم العادل . ومن هذا الباب حمل الدليل الظاهر على النصّ أو الأظهر منه ، فإنّ النصّ أو الأظهر يكون قرينة على تفسير المراد من الدليل الظاهر أو الأقلّ ظهوراً ، وهكذا الحال في كلّ دليلين يبدوان في أوّل الأمر متعارضين ولكن العرف يرى إمكانية التصرّف في أحدهما وتفسيره بشكل ينسجم مع الدليل الآخر .
ووجه العمل بهذه القاعدة واضح لا يحتاج إلى دليل ؛ لأنّ المحاورات العرفية قائمة على أنّ المتكلّم إذا صدر منه كلامان وكان ظاهر أحدهما متنافياً مع ظاهر الآخر ولكنّه قد أعدّ أحد الكلامين لتفسير مقصوده من الكلام الآخر ، فلابدّ من تقديم ظهور ما أعدّه مفسِّراً وقرينة .
وهذه الطريقة في فهم العرف لكلام المتكلِّم قد استعملها الشارع في
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 296
مساهمون: علاء السالم
ص٢٩٦