والجعل مرتبط بالمرحلة الأولى وهو ثالث العناصر فيها بعد الملاك والإرادة . وقد أثرنا هذه النقطة باعتبار أنّه قد يقع الخلط في تصوّر أنّ الجعل هو نفس الدليل الشرعي فيُقال إنّ قوله تعالى : * ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ) * هو الجعل ، وهو غير صحيح لأنّ الآية دليل مبرز شرعاً في مقام الإثبات والجعل من مقام الثبوت . نعم ، الآية دليل يدلّ ويكشف عن الجعل الذي يكون الحكم فيه مجعولاً في حقّ جميع المكلّفين بنحو القضيّة الحقيقيّة .
ومنه يتّضح أنّ الدليل الشرعي اللفظي متكفّل لبيان الجعل والدلالة عليه لا لبيان المجعول ، فإنّه يختلف من مكلّف إلى آخر ، فإنّ فعليّة الحجّ موجودة في حقّ زيد المستطيع دون عمرو غير المستطيع ، وكذا جواز إفطار الصائم عند الغروب فإنّ جعله معلوم ولا يختلف بين مكلّف وآخر ، ولكن لو افترض أنّ المكلّف قد سافر - عند الغروب وقبل أن يفطر - إلى بلد لم يحلّ فيه الغروب بعد ، فيجب عليه الإمساك إلى الغروب ، فالمجعول مختلف بالرغم من عدم اختلاف الجعل ، فلا يكون المجعول مدلولاً للدليل الشرعي اللفظي .
المقدّمة الثانية : إنّ التنافي يكون على ثلاث صور :
1 - التنافي بين جعلين .
2 - التنافي بين مجعولين .
3 - التنافي بين إمتثالين .
أمّا التنافي الأوّل ، فكما لو قال المولى : « صلِّ » و « لا تصلِّ » ، أو كما لو جعل وجوب الحجّ على المستطيع وجعل حرمة الحجّ على المستطيع ، وهذا التنافي وإن كان بين الجعلين وعدم إمكان صدورهما معاً إلّا أنّه يتبع هذا التنافي تنافٍ بين المجعولين أيضاً ، لأنّ فعليّة وجوب الحجّ عند تحقّق قيوده خارجاً وفعليّة حرمته أمران متنافيان أيضاً كما هو حال الجعل فيهما ، إذ لا
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 281
مساهمون: علاء السالم
ص٢٨١