تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
يخفى أنّ الجعلين - وجوب الحجّ وحرمته - أمران متنافيان ومتضادّان ، لأنّ الأحكام الشرعيّة متضادّة فيما بينها وفي مبادئها ، فإنّ ملاك الوجوب هو المصلحة الملزمة ، وملاك الحرمة هو المفسدة الملزمة ، ولا يمكن أن يكون شيء واحد فيه مصلحة ومفسدة من جهة واحدة ، كما أنّ مقتضى الوجوب التحرّك والفعل بينما مقتضى الحرمة الاجتناب وعدم الفعل ، وكيف يجتمع الفعل مع عدمه ، وهل هو إلّا جمع بين المتناقضين ؟ ! وأمّا التنافي بين المجعولين فلا يلزم منه أن يكون هناك تنافٍ بين الجعلين ، كما لو جعل الشارع وجوب الوضوء على الواجد للماء وجعل وجوب التيمّم على الفاقد له ، فإنّ جعل وجوب الوضوء والتيمّم أمرٌ ممكن ثبوتاً ولا يوجد تنافٍ بينهما ؛ لاختلاف موضوع كلّ منهما . إلّا أنّ هذا التنافي بينهما إنّما هو بين المجعولين ؛ إذ إنّ المكلّف في النهاية إمّا أن يكون واجداً للماء فيجب عليه الوضوء ويكون هذا الوجوب رافعاً لموضوع وجوب التيمّم ، أو فاقداً له فيجب عليه التيمّم ويكون هذا رافعاً لموضوع وجوب الوضوء ، ولا يعقل أن يكون المكلّف واجداً للماء وفاقداً له في ظرف واحد ، فالتنافي إذاً بين المجعولين لا بين الجعلين . وأمّا التنافي الثالث فهو التنافي الذي يكون بين الامتثالين لا بين الجعلين ولا بين المجعولين ، كما في حالات الأمر بالضدّين على وجه الترتّب ، حيث ذكرنا هناك أنّ مثل « صلِّ » و « أنقذ الغريق » يمكن جعلهما معاً من قبل الشارع لا بشكل مطلق وإنّما بنحو يكون كلّ من الضدّين مقيّداً بترك الضدّ الآخر ، فيقال : « صلِّ فإن لم تصلِّ فأنقذ الغريق » ، و « أنقذ الغريق فإن لم تنقذه صلِّ » ، فإنّ هذا النحو من الجعل أمرٌ ممكن ولا يوجد تنافٍ بين الجعلين ، وفي حالة تركهما معاً يكون كلّ من الوجوبين فعليّاً في حقّه لتحقّق قيده ؛ إذ بتركه الإنقاذ يكون وجوب الصلاة فعليّاً وكذلك وجوب الصلاة لأنّ
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 282 | علاء السالم