تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

والكلام نفسه يأتي في تقديم الدليل العقلي القطعي على الدليل الشرعي القطعي على فرض وقوع هذا النحو من التعارض ( 1 ) ، فإنّ معارضة الدليل القطعي له تعني القطع بخطئه ؛ إذ إنّ الشارع لا يعقل أن يخالف مدركات العقل القطعيّة ، كيف وقد ورد من النصوص الشرعيّة الشيء الكثير في الحثّ على الأخذ بالعقل ، وبعد أمره بذلك لا يمكن أن يرد منه ما يخالفه . نعم ، ما ذكرناه في السبب الأوّل لا يأتي هنا ؛ لأنّ المفروض أنّ الدليل الشرعي قطعي أيضاً . فتلخّص : أنّ الدليل العقلي القطعي يقدَّم على الدليل الشرعي مطلقاً ، ومن ثمّ فلو ورد دليل شرعيّ له ظهور يخالف قاعدة عقلية قطعيّة فلابدّ من توجيه ذلك الظهور ، فقد قام الدليل العقلي القطعي - مثلاً - على أنّ الله تعالى ليس بجسم ولا هو مادّي ليؤيّن بأين ويُرى وأمثال ذلك ممّا هو مرتبط بالمادّيات ، فإذا ورد من الشرع ما يوهم ظاهره بذلك - كقوله تعالى : * ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) * ( 2 ) ، وقوله : * ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة ) * ( 3 ) - فينبغي تأويله وفق الدليل القطعي وبما لا يتقاطع معه . هذا مثال لتقديم الدليل العقلي القطعي على الدليل الشرعي الظنّي . وأمّا مثال تقديمه على الدليل الشرعي القطعي ، فكما لو فرض قيام دليل شرعيّ متواتر على شيء ولكنّه كان معارضاً لدليل عقليّ قطعيّ ، فإنّ الثاني يُقدّم عليه ، وهذا وإن كان العلماء يذكرونه على مستوى البحث إلّا أنّهم يخالفونه في كثير من الأحيان لعدم الجرأة على مخالفة قطعيّ الشريعة

هامش
( 1 ) لا يخفى أنّ هذا الشقّ الثالث من البحث لا فرض له خارجاً ولا وقوع له أصلاً ، وما يمكن أن يذكر له من مثالٍ - كما سيأتي بيانه - يمكن المناقشة فيه ، فلاحظ .
( 2 ) الفتح : 10 .
( 3 ) القيامة : 22 - 23 .