إذا عرفت هذه المقدّمة ، فقد يصادف في بعض الحالات أن تكون أركان الاستصحاب تامّة في السبب والمسبّب ، والسؤال : هل يجري الاستصحاب في كليهما ، أم يقدّم جريان أحدهما على الآخر ؟
تقديم الأصل السببي على المسبّبي
ذكر الأصوليّون بأنّ الأصل السببي يقدّم على جريان الأصل المسبّبي ، وقبل بيان تفصيل الجواب ، نشير إلى المقصود من التقديم في كلمات الأعلام فنقول : إنّ التقديم ليس بمعنى أنّ الأصل السببي يجري أوّلاً ثمّ يجري الاستصحاب المسبّبي بعده ، بل المقصود أنّ الأصل السببي يجري دون المسبّبي ؛ لعدم تماميّة أركان الاستصحاب فيه ، لأنّ الأوّل بجريانه ينفي موضوع الأصل الثاني .
تفصيل ذلك وتوضيحه : أنّ الاستصحاب السببي ( استصحاب طهارة الماء ) والمسبّبي ( استصحاب جواز شرب الماء ) يمكن تصوّرهما في حالتين :
الأولى : حالة التلاؤم والانسجام ، بمعنى أنّ الاستصحابين متلائمين عند جريانهما ولا يتعارضان في النتيجة ، ومثاله ما ذكرناه سابقاً من استصحاب طهارته واستصحاب جواز شربه ، فإنّ نتيجة الأصلين متلائمة ، لأنّ جواز الشرب أثر شرعيّ لطهارة الماء كما أوضحنا .
الثانية : حالة التعارض والتنافي ، كما لو كان الاستصحاب السببي يثبت شيئاً والاستصحاب المسبّبي يثبت شيئاً آخر معارضاً له في النتيجة ، ومثاله : ما لو غسل المكلّف الثوب النجس بماء مستصحب الطهارة ، فمن جهة كون الماء متيقّن الطهارة سابقاً ومشكوكاً في طهارته لاحقاً يستصحب طهارته ، ومن آثاره الشرعيّة طهارة الثوب النجس لو غسل به . ولكن من جهة أخرى نجد أنّ الثوب معلوم النجاسة سابقاً ومشكوك الطهارة عند غسله