ومن خلال هاتين النقطتين يمكننا أن نتوصّل إلى النتيجة التالية : إنّ استصحاب الموضوع يحرز لنا الحكم بينما لا يحرز لنا استصحابُ الحكم الموضوعَ ؛ باعتبار أنّ الحكم - كما أشرنا - بمثابة المسبّب والمعلول للموضوع ، والمعلول لا يحرز علّته وإلّا لكان علّة له ، وهو خلف كونه معلولاً ، كما أنّ معلوليّته تعني تأخّره عن الموضوع رتبةً ، والمتأخّر لا يثبت ما هو متقدّم وسبب له ، لأنّ إثباته له يعني تقدّمه عليه والمفروض أنّه - أي الحكم - متأخّر عنه ، والشيء الواحد لا يكون متأخّراً عن شيء آخر ومتقدّماً عليه .
ولو أردنا تطبيق هذه الفكرة على المثال المتقدِّم ، نقول : إنّ جواز شرب الماء متوقّف على طهارته ، فيكون استصحاب الطهارة منشأً لثبوت الحكم بجواز الشرب ، بينما لا يكون استصحاب جواز الشرب منشأً للحكم بطهارة الماء ؛ لأنّها ليست أثراً شرعيّاً ولا مسبّباً عنه ، ونهي الشارع عن نقض الحالة السابقة بالشكّ وأمره بالجري العملي على طبقها يعني تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن ، والعرف يرى أنّ مثل هذا التنزيل يكون بلحاظ الآثار الشرعيّة ، فما كان مترتّباً شرعاً على الحالة السابقة قبل الشكّ يثبت لها بعد الشكّ بحكم التنزيل المذكور ، ومن الواضح أنّ جواز شرب الماء هو الأثر الشرعي المترتّب على بقاء طهارة الماء دون العكس .
وقد أطلق الأصوليّون على مثل استصحاب طهارة الماء بالاستصحاب السببي ، وعلى مثل استصحاب جواز الشرب بالاستصحاب المسبّبي . ووجه التسمية قد اتّضح ممّا قدّمناه ؛ فإنّ استصحاب طهارة الماء يعالج مشكلة موضوع شرب الماء ونتيجته الحكم بطهارته ، والطهارة سبب شرعيّ لجواز الشرب ، بينما جواز الشرب مسبّب عن طهارة الماء شرعاً ؛ ولذا أُطلق على استصحاب بقائه بالمسبّبي .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 262
مساهمون: علاء السالم
ص٢٦٢