بالماء المستصحب الطهارة لاحقاً ، لأنّ المكلّف حسب الفرض لا يعلم بطهارة الماء حقّاً وواقعاً ، فإنّ الاستصحاب - كما هو واضح - يثبت بقاء الطهارة تعبّداً ولا يرفع الشكّ الوجداني من نفس المكلّف ، ومن ثمّ فالثوب متيقّن النجاسة سابقاً ومشكوك في ارتفاعها لاحقاً فيستصحب بقاؤه على النجاسة .
ففي هذا المثال نجد أنّ الاستصحاب السببي يثبت طهارة الثوب نتيجة إحراز موضوعه وهو طهارة الماء ، بينما نلاحظ أنّ الاستصحاب المسبّبي يثبت نجاسة الثوب ، ونتيجة الأصلين متعارضة وغير متلائمة كما لا يخفى .
وقد ذهب علماء الأصول إلى تقديم الأصل السببي على المسبّبي ومن ثمّ يحكم بطهارة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة ، وقد أسّسوا في ذلك قاعدة مفادها : « كلّما كان أحد الأصلين يعالج مورد الأصل الآخر دون العكس قدّم الأصل الأوّل على الثاني » ، واصطلحوا على مثل هذا التقديم بالحكومة .
وتوضيحها باختصار - لأنّها تُبحث مفصّلاً في باب التعارض عادةً - : إذا ورد من الشارع دليلان أحدهما يقول : « الربا حرام » ، والآخر يقول : « لا ربا بين الوالد وولده » ، فإنّنا إذا دقّقنا في الثاني وجدناه ناظراً ومعالجاً للدليل الأوّل ، إذ إنّ الأوّل كان يفترض حرمة الربا بشكل مطلق وموسّع ، وقد تضيّقت دائرة الحرمة عند مجيء الدليل الثاني ، لأنّه قد افترض أنّ الربا بين الوالد وولده ليس بحرام . وبعبارة ثانية : إنّ الشارع بالدليل الثاني قد خصّص حرمة الربا في الدليل الأوّل وضيّق دائرتها ولكن بلسان التصرّف في الموضوع ، فإنّه قد ضيّق من دائرة سعة صدقه . فقبل مجيء الدليل الثاني كان « الربا » يصدق على كلّ زيادة بشروطها المعروفة ، ولكن بمجيئه أخرج الزيادة بين الوالد وولده عن الربا ، ومن ثمّ لا يكون حراماً ، وهذا هو الفرق
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 264
مساهمون: علاء السالم
ص٢٦٤