وأمثلة الأمور التدريجيّة في الفقه كثيرة ، منها : إثبات بقاء الليل أو النهار في شهر رمضان ، فلو شكّ الصائم في دخول الغروب فلا يمكنه - فيما لو انتهينا إلى عدم جريان الاستصحاب في التدريجيّات - استصحاب بقاء النهار وإثبات عدم جواز الأكل والشرب وسائر المفطرات ، وكذلك لو شكّ في طلوع الفجر فلا يمكنه استصحاب بقاء الليل ، لإثبات جواز المفطرات ، وسببه أنّ الزمان أمرٌ تدريجيّ .
فلأجل القول بجريان الاستصحاب في مثل هذين المثالين وغيرهما لابدّ من الإجابة عن الإشكال المتقدّم في استصحاب بقاء الأمور التدريجيّة .
ويمكن الجواب عنه : أنّ الأشياء غير القارّة والتدريجيّة في وجودها وإن كانت بحسب الدقّة العقلية لا تتوفّر فيها أركان الاستصحاب كما ذكر في الإشكال ، إلّا أنّ المدار في التعامل مع المسائل المرتبطة بالاستصحاب وتحديد أركانه هو العرف لا الدقّة العقلية ، والعرف عندما ينظر إلى الأمر التدريجي - كالزمان والمشي - يجد أنّ كلّ واحد منهما له وجود واحد مستمرّ وله حدوث وبقاء ، ولهذا يقال عن النهار - مثلاً - حدث وما زال باقياً ، وعن زيد في حالة مشيه ما زال ماشياً ، وما ذاك إلّا لأنّ العرف يرى أنّ عنوان البقاء يصدق على القطعة الثانية من الزمان والحصّة الثانية من المشي ، وعليه فلو تيقّن بالنهار أو المشي ثمّ شكّ في بقائهما يستصحب البقاء .
ولو حلّلنا سبب الوحدة في الأمور التدريجيّة في نظر العرف لوجدنا أنّه أحد أمرين :
الأوّل : الاتّصال الحقيقي بين أجزاء الوجود التدريجي ، كما في الزمان فإنّه بالرغم من كونه حدوثات متعدّدة ولا توجد منه قطعة إلّا بعد تصرّم السابقة إلّا أنّه يوجد بين أجزائه اتّصال حقيقيّ بنحو لا يتخلّل بين قطعه فواصل ، ولأجل ذلك يراه العرف شيئاً واحداً مستمرّاً وله حدوث وبقاء .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 226
مساهمون: علاء السالم
ص٢٢٦