تماميّة أركان الاستصحاب . فلو فرضنا أنّ الشارع قال : « سبّح إن كان زيد ماشياً » وتيقّن المكلّف بمشيه ثمّ شكّ فيه ، فلا يستطيع أن يستصحب بقاء مشيه وترتّب الأثر الشرعي عليه ؛ ذلك أنّ المشي أمرٌ تدريجيّ وحدوثات متعدّدة ، وليس له حدوث واحد متيقّن ثمّ يشكّ في بقائه ليجري استصحابه ، بل هو مجموعة حدوثات كلّ واحد منها حدث ثمّ فني ثمّ حدث آخر وهكذا ، فالحدوث الأوّل وإن كان متيقّن الحدوث إلّا أنّه متيقّن الارتفاع أيضاً ولا يوجد شكّ في بقائه ، وأمّا الحدوث الآخر فهو حدوث جديد غير السابق ، وهكذا إلى أن نصل إلى الوجود الأخير الذي يشكّ فيه ، فإنّ الشكّ فيه شكّ في حدوث جديد غير متيقّن سابقاً .
بعبارة واضحة : إنّ الحصّة الأولى من المشي قد علم بوجودها وعلم بارتفاعها ولا يوجد شكّ في بقائها ، وكذلك في باقي الحصص اللاحقة له فلا يوجد في أيٍّ منها شكّ في البقاء ، هذا أوّلاً .
وثانياً : إنّ ما تيقّن بحدوثه أوّلاً من حصص المشي غير ما تيقّنه ثانياً منها ، لأنّ الحصّة الثانية حدوث جديد حصل بعد تصرّم الأوّل وانقضائه ، وهذا يعني عدم وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة .
وأمّا بالنسبة إلى الحصّة التي يشكّ في بقائها - أي الأخيرة - فليست متيقّنة الحدوث ، لأنّها حصّة لو كانت موجودة فهي موجودة بحدوث جديد غير الحدوث السابق ، وهذا يعني اختلال الركن الأوّل بالنسبة لها .
فظهر أنّ كلّ حصّة من المشي - عدا الحصّة الأخيرة - لا يوجد فيها شكّ في البقاء ، وأمّا الحصّة الأخيرة المشكوك بقاؤها فلا يوجد للمكلّف يقين بحدوثها ، ومن ثمّ لا تتمّ أركان الاستصحاب في حصّة من حصص المشي ، وعليه فلو رأى زيداً ماشياً ثمّ شكّ في بقائه لا يمكنه استصحاب بقاء المشي .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 225
مساهمون: علاء السالم
ص٢٢٥