إنّ الملاحظ هنا أنّ الشكّ لم يكن شكّاً في الجعل ؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف لا يحتمل نسخ القضيّة الشرطيّة المعلومة سابقاً ، بل لا يزال يعلم بأنّ العنب يحرم إذا غلى ، كما أنّه ليس شكّاً في المجعول ؛ لأنّ حرمة العنب المعلومة سابقاً ليست فعليّة بل هي معلّقة على الغليان وهو لم يحصل . فالمعلوم سابقاً - إذاً - قضيّة شرطيّة والحكم فيها معلّق على شيء ، والمشكوك هو بقاء تلك القضية الشرطية ، والسؤال : هل بالإمكان استصحاب بقاء القضية الشرطية بالنسبة إلى الزبيب والحكم عليه بالحرمة إذا غلى كما كان يحكم على العنب بالحرمة عند الغليان ، أم أنّ الاستصحاب لا يجري ؟
قد يُقال : بأنّ القضية الشرطية كانت معلومة سابقاً والآن يشكّ في بقائها ، فيُستصحب بقاؤها ، فإنّ المكلّف كان بإمكانه الإشارة إلى العنب الذي لم يغلِ ويقول إنّ هذا العنب يحرم إذا غلى ، وبعد تحوّل العنب إلى زبيب يشكّ في بقاء تلك القضية الشرطية ، فيستصحب بقاءها ؛ لتماميّة أركان الاستصحاب ، ويترتّب عليه أنّ الزبيب يحرم إذا غلى .
إن قلت : كيف يمكن جريان الاستصحاب مع أنّ العنب شيء والزبيب شيءٌ آخر ، في حين إنّ واحداً من أركان الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة ، وليس المستصحب في المقام كذلك ؟
قلت : تقدّم منّا القول أنّ المقصود بالوحدة في الركن الثالث هو الوحدة العرفية لا الدقّية ، والعرف يرى أنّ الحرمة التي تثبت للزبيب عند غليانه على تقدير وجودها هي نفس الحرمة الثابتة للعنب عند الغليان ، فيكون شأن قيديّة العنبية في الحرمة حال الغليان شأن تغيّر الماء ، حيث قلنا إنّ الشكّ في بقاء نجاسة ماء الحوض بعد زوال التغيّر مجرىً لاستصحاب بقاء النجاسة الثابتة قبل زوال التغيّر ؛ لأنّ العرف يرى وحدة الماء في المتيقّن
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 218
مساهمون: علاء السالم
ص٢١٨