الوجهُ الثاني : أنّ دليلَ الاستصحابِ يفترضُ كونَ العملِ بالشكِّ نقضاً لليقينِ بالشكِّ ، وهذا لا يصدقُ حقيقةً إلّا إذا كان الشكُّ متعلّقاً بعين ما تعلّقَ به اليقينُ حقيقةً أو عنايةً . ومثالُ الأوّل : الشكُّ في قاعدةِ اليقينِ مع يقينِها ، ومثالُ الثاني : الشكُّ في بقاءِ الطهارةِ مع اليقينِ بحدوثِها ، فإنّ الشكَّ هنا وإن كان متعلّقاً بغير ما تعلّقَ به اليقينُ حقيقةً - لأنّه متعلّقٌ بالبقاءِ ، واليقينُ متعلّقٌ بالحدوثِ - ولكن حيثُ إنّ المتيقّنَ له قابليةُ البقاءِ والاستمرارِ ، فكأنّ اليقينَ بالعنايةِ قد تعلّقَ به بما هو باقٍ ومستمرٌّ ، فيكونُ الشكُّ متعلّقاً بعينِ ما تعلّقَ به اليقينُ ، وبهذا يصدقُ النقضُ على العملِ بالشكِّ ، وأمّا في مواردِ الشكِّ في المقتضي ، فاليقينُ غيرُ متعلّقٍ بالبقاءِ لا حقيقةً ولا عنايةً ، أمّا الأوّلُ فواضحٌ ، وأمّا الثاني فلأنّ المتيقّنَ لم تُحرَزْ قابليّتُه للبقاءِ ، وعليهِ فلا يكونُ العملُ بالشكِّ نقضاً لليقينِ ليشملَه النهيُ المجعولُ في دليلِ الاستصحابِ .
والجوابُ على ذلك : بأنّ صدقَ النقضِ وإن كان يتوقّفُ على وحدةِ متعلّقِ اليقينِ والشكِّ ، ولكنْ يكفي في هذه الوحدةِ تجريدُ اليقينِ والشكِّ من خصوصيةِ الزمانِ الحدوثيِّ والبقائيِّ ، وإضافتُهما إلى ذاتٍ واحدةٍ كما تقدّمَ توضيحهُ فيما مضى ، وهذه العنايةُ التجريديّةُ تُطَبّقُ على مواردِ الشكِّ في المقتضي أيضاً .
وعليه فالاستصحابُ يجري في مواردِ الشكِّ في المقتضي أيضاً .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 204
مساهمون: علاء السالم
ص٢٠٤