ومثل هذه الأحكام - من أوامر ونواهٍ - تسمّى بالأحكام التكليفيّة ، ويقال للأوّل أمر تكليفيّ وللثاني نهي تكليفيّ .
وأخرى يبيّن من قبل الشارع بلسان يرشد المكلّف إلى جزئية شيء أو شرطيّته أو مانعيّته ونحو ذلك ، كما إذا قال : « اغسل ثوبك بالماء » ، أو « لا تصلِّ في جلد ما لا يؤكل لحمه » ، فإنّ الأمر في الأوّل إرشاد إلى شرطيّة الماء في طهارة الثوب ، والنهي في الثاني إرشاد إلى مانعيّة جلد ما لا يؤكل من صحّة الصلاة ، وواضح أنّ المكلّف لو أراد مخالفة الأمر ورمى الثوب ولم يطهّره لم يكن قد ارتكب مخالفة شرعيّة فيستحقَّ إثماً على ذلك ، بل غاية ما في الأمر أنّه لا يستطيع لبسه أثناء أداء الصلاة مثلاً ، وكذلك النهي في الثاني فإنّه يرشده إلى مانعيّة جلد غير المأكول بنحو لو صلّى فيه لكانت صلاته باطلة .
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : قد ورد في صحيحة زرارة النهي عن نقض اليقين بالشكّ ( ولا تنقض اليقين بالشكّ ) ، ولنا أن نتساءل : هل النهي الوارد فيها نهي تكليفيّ وأنّ المكلّف لو بنى على الشكّ ونقض يقينه السابق يكون قد ارتكب حراماً ، أم هو نهي إرشاديّ ؟
الجواب : لا شكّ في أنّه نهي إرشاديّ إلى بقاء الحالة السابقة والجري العملي على طبقها ، ولا يحرم عليه شرعاً عند الشكّ في الوضوء المتيقّن سابقاً نقض يقينه السابق وإعادة الوضوء من جديد .
ولا ينبغي أن نغفل أنّ حكم الشارع ببقاء الحالة السابقة وعدم نقضها بالشكّ لا يعنى به بقاء اليقين حقيقةً ووجداناً ؛ إذ المفروض أنّ المكلّف شاكّ في بقاء اليقين ، وبعد وجود الشكّ لا يعقل أن يكون اليقين موجوداً حقيقة في نفس المكلّف ، ولو كان موجوداً لما كان شاكّاً أساساً ، وإنّما يقصد بحكم الشارع ببقاء الحالة السابقة بقاؤُها من الناحية العمليّة وتنزيل المتيقّن منزلة
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 194
مساهمون: علاء السالم
ص١٩٤